٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة ٣ أعوام على الإبادة.. غزة تتنفس الحياة

طائرات ورقية وذكريات طفولة.. الاحتلال يطارد آخر مساحات الفرح في غزة

الرسالة نت - متابعة خاصة

لم يشبع نتنياهو من انتقامه من أطفال غزة، بعدما دمر بيوتهم ومدارسهم ودفعهم إلى الخيام ومراكز النزوح، حتى بات يلاحقهم في أبسط وسائل ترفيههم، ويحوّل طائراتهم الورقية إلى ذريعة جديدة للتهديد والتصعيد.

في الخيام، حيث لا يجد الأطفال كثيرًا مما يمكن أن يخفف عنهم وطأة الحرب، أصبحت صناعة "الطائرات الورقية" واحدة من أبسط وسائل الترفيه التي يلجؤون إليها، مستخدمين ما يتوفر لهم من مواد وبقايا المساعدات.

تحلق تلك الطائرات في السماء كما تحلق أحلام الصغار، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي  المجرم بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتطرفة لم يتركا حتى هذه المساحة الصغيرة من الفرح بعيدة عن تهديداتهما، متوعدين بالتصعيد وإخلاء مناطق في حال استمرار إطلاقها.

خارج الخيمة، كان الطفل أحمد، 8 أعوام، يقفز غاضبًا وهو يبكي ويمزق طائراته الورقية التي صنعها بأبسط الإمكانيات المتوفرة، مرددًا بغضب: "يلعن أبوك يا نتنياهو"، فيما يحاول والده تهدئته: "معلش يا بابا، معلش".

واصل الصغير استغرابه: "ماذا ستفعل طائرتي الورقية في إسرائيل؟.. ليش خايفين منها؟". ثم التفت إلى والده وسأله: "بنفع أطير الطبق على البحر؟"، فجاءه الرد: "لا، بقصفونا".

خرج أحمد بين الخيام حائرًا، يبحث عن لعبة أخرى، فلا مكان لكرة القدم ليمارسها إلا في موقع يبعد عن خيام النازحين.

قد تبدو هذه التفاصيل للعالم صغيرة وبسيطة، لكنها بالنسبة لطفل يعيش في خيمة بعد أن فقد بيته ومدرسته وأمانه، تمثل مساحة من الفرح يحاول الاحتلال انتزاعها منه. فبعدما دمرت الحرب كثيرًا من أحلام أطفال غزة، باتت حتى ألعابهم البسيطة موضع تهديد.

ولم تعد "الطائرة الورقية" بالنسبة إلى بعض أطفال غزة مجرد وسيلة للترفيه، إذ تحولت لدى آخرين إلى مصدر دخل بسيط يساعدهم في مواجهة ظروف النزوح والفقر، كما يفعل الطفل كريم، الذي يجهز عشرات الطائرات الورقية لبيعها لأطفال الخيام مقابل شواكل قليلة.

لكن ماذا جرى للصغير كريم؟ أجبره والده على تكسير الطائرات وأخذ العيدان الخشبية منها لاستخدامها في طهي الطعام. أما كريم، فجلس يبكي بحرقة وقهر، مرددًا عبارات غاضبة بحق وزير الجيش الإسرائيلي المجرم يسرائيل كاتس ونتنياهو.

وعادةً ما ينتظر الأطفال فصل الصيف للتنافس فيما بينهم على أجمل "طائرة ورقية"، فيستعرضونها على شاطئ البحر أو فوق أسطح المنازل، وغالبًا ما تكون بألوان العلم الفلسطيني. يتنافسون على أي الطائرات ستصل إلى ارتفاع أعلى، ومن سيفوز في النهاية، لكن حتى هذه اللعبة التي ارتبطت بذاكرة الطفولة الفلسطينية، باتت اليوم مطاردة بقرارات وتهديدات الاحتلال.

من لعبة أطفال إلى "عمل حربي"

في الوقت الذي يحاول فيه أطفال غزة صناعة لحظات فرح صغيرة وسط الخيام، تعمل حكومة نتنياهو على تحويل الطائرات الورقية إلى قضية أمنية وعسكرية.

وجاء التصعيد الإسرائيلي بعد رصد طائرات ورقية عبرت حدود قطاع غزة وسقطت في مناطق داخل المستوطنات الإسرائيلية المحاذية للقطاع، من بينها ناحال عوز وبئيري، فيما تحدثت تقارير إسرائيلية عن رصد نحو ست إلى ثماني طائرات ورقية خلال الأيام الأخيرة.

لكن المفارقة أن الرواية الإسرائيلية نفسها تحدثت عن عدم العثور على مواد خطرة في الطائرات التي جرى فحصها، وهو ما يضع التهديدات الواسعة التي أطلقتها حكومة الاحتلال أمام سؤال أساسي: كيف تتحول لعبة أطفال لا تحمل مواد خطرة إلى مبرر لعمل عسكري وإخلاء مناطق سكنية؟

وذهب وزير الجيش الإسرائيلي يسرائيل كاتس إلى أبعد من ذلك، عندما أصدر قرارًا بمعاملة البالونات والطائرات الورقية كما تُعامل الطائرات المسيّرة الهجومية.

وبحسب بيان صدر عن مكتبه، اعتبرت حكومة الاحتلال كل عملية إطلاق «عملًا حربيًا»، وتوعدت بالتعامل بأقصى درجات الحزم مع من يطلق أو يسهل عمليات الإطلاق، كما ساوى البيان بين البالون والطائرة الورقية والطائرة المسيّرة، سواء كانت محملة بمواد متفجرة أم لا.

وهكذا، لم تعد المسألة بالنسبة إلى حكومة الاحتلال مرتبطة بجسم طائر يعبر الحدود، بل تحولت إلى خطاب أمني يمكن توظيفه لتبرير مزيد من الإجراءات العسكرية، في وقت يفترض فيه أن يكون اتفاق وقف إطلاق النار مدخلًا لتخفيف معاناة المدنيين وليس توسيع دائرة الاستهداف.

تهديد بالإخلاء والتهجير

ولم يتوقف الأمر عند التصريحات والقرارات الأمنية، إذ توعد نتنياهو وكاتس، في بيان مشترك، بإخلاء وتهجير المدنيين الفلسطينيين من الأحياء والمناطق التي تنطلق منها الطائرات الورقية والبالونات في قطاع غزة.

وجاء ذلك عقب اجتماع أمني عقده نتنياهو وكاتس لتقييم ما وصفته إسرائيل بخطر البالونات والطائرات الورقية القادمة من غزة، بحضور رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ومسؤولين أمنيين وعسكريين.

وحذرت حكومة الاحتلال من تكثيف عملياتها ضد المسؤولين عن إطلاق هذه الأجسام، إلى جانب إخلاء السكان من المناطق التي يُزعم إطلاقها منها.

وتكشف هذه التهديدات أن القضية تتجاوز الطائرات الورقية نفسها؛ إذ يمكن أن تتحول ذريعة «الأمن» إلى مدخل لإخلاء مناطق سكنية وفرض واقع جديد على الأرض، بما يضاعف معاناة المدنيين الذين عاشوا أصلًا موجات متكررة من النزوح والتهجير.

حماس: ذريعة لاستمرار العدوان

وحذرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" من التهديدات الإسرائيلية بشأن الطائرات الورقية في مخيمات النزوح، معتبرة أنها محاولة لاختلاق ذرائع جديدة لاستمرار العدوان وتهديد الأطفال الفلسطينيين.

وقال الناطق باسم الحركة حازم قاسم إن الطائرات الورقية هي في الأساس ألعاب أطفال في مخيمات النزوح، مشيرًا إلى أن التهديدات الإسرائيلية تأتي في سياق محاولات تبرير استمرار الانتهاكات ضد الشعب الفلسطيني وتقويض مسار وقف إطلاق النار.

ودعا قاسم الإدارة الأميركية والدول الوسيطة والضامنة و"مجلس السلام" إلى الضغط على الاحتلال لوقف ما وصفه بـ«الانفلات في العدوان»، والحفاظ على مسار وقف إطلاق النار، مؤكدًا أن الجانب الفلسطيني ملتزم بالاتفاق.

نتنياهو يحوّل التفاصيل الصغيرة إلى أدوات للتصعيد

ويرى الكاتب عماد زقوت أن حكومة نتنياهو لم تعد بحاجة إلى البحث عن مبررات جديدة لشن المزيد من الهجمات على قطاع غزة، بل باتت تحول حتى التفاصيل الصغيرة إلى أدوات لتبرير التصعيد، في محاولة واضحة لتوظيف المشهد الأمني في خدمة حساباتها السياسية الداخلية.

ويقول إن آخر هذه المبررات قصة الطائرات الورقية التي يلهو بها أطفال غزة، في محاولة للتمسك بمسار أمني وعسكري يُقدَّم أمام الجمهور الإسرائيلي باعتباره ضرورة لحماية أمن إسرائيل.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه، وفق زقوت، هو: كيف تتحول طائرة ورقية يحملها طفل يبحث عن لحظة ترفيه وسط واقع إنساني قاسٍ، إلى قضية تجتمع من أجلها حكومة الاحتلال وقيادة جيشه وأجهزته الأمنية؟

ويضيف أن المشهد يبدو أقرب إلى "مسرحية سياسية"، هدفها إعادة إنتاج صورة نتنياهو وحكومته أمام الجمهور الإسرائيلي باعتبارهم الأكثر تشددًا وقدرة على فرض الأمن، خصوصًا مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية وازدياد الضغوط السياسية الداخلية.

فالحكومة التي تواجه أزمات سياسية وشعبية، تحتاج إلى إبقاء الملف الأمني حاضرًا بقوة في وعي الجمهور الإسرائيلي، وإلى تقديم غزة باعتبارها تهديدًا دائمًا يحتاج إلى مزيد من القوة والعمليات العسكرية.

لكن الخطر الحقيقي، بحسب زقوت، أن هذه الحسابات السياسية لا تبقى داخل غرف الحكومة والانتخابات الإسرائيلية، بل تُترجم على الأرض إلى دماء جديدة في قطاع غزة.

ومن هنا، فإن القلق لا يتعلق بالطائرة الورقية بحد ذاتها، وإنما بما قد تُستخدم لتبريره من تصعيد واستهداف واغتيالات. فكلما اقتربت الحسابات السياسية الإسرائيلية من الاستحقاقات الداخلية، يصبح قطاع غزة أكثر عرضة للتحول إلى ساحة لتسجيل النقاط السياسية.

أطفال غزة يدفعون ثمن "المسرحية الأمنية"

غزة لا تحتاج إلى مزيد من المسرحيات الأمنية، وأطفالها الذين يبحثون عن لحظة فرح وسط الركام لا ينبغي أن يتحولوا إلى أهداف في معركة سياسية أو انتخابية.

فأحمد الذي مزق طائراته الورقية لم يكن يفكر في الحدود أو السياسة أو الأمن، بل كان يبحث عن لعبة يطير بها قليلًا فوق خيمته. وكريم الذي صنع عشرات الطائرات لم يكن يخطط لعمل عسكري، بل كان يحاول بيعها ليحصل على بضعة شواكل تساعده وعائلته في ظروف النزوح.

وبين الطفل الذي يسأل والده "ليش خايفين منها؟"، والآخر الذي اضطر إلى تحويل لعبته إلى حطب للطهي، تتكشف صورة أخرى للحرب؛ حرب لا تكتفي بتدمير المنازل والمدارس، بل تمتد إلى تفاصيل الطفولة نفسها، وتحاول انتزاع أبسط أشكال الفرح من أطفال عاشوا سنوات الحرب والخوف والنزوح.

أما الطائرات الورقية، فستظل بالنسبة إلى أطفال الخيام أكثر من لعبة؛ إنها محاولة صغيرة لاستعادة شيء من طفولة سرقتها الحرب، ومساحة قصيرة للتحليق فوق واقع مثقل بالركام والخوف.

 

بث مباشر