كل صباح، تخرج نيفين الغرابلي، البالغة من العمر 42 عامًا، برفقة بناتها في شوارع مدينة غزة، لا بحثًا عن شيء تأكله، وإنما عن الحطب وكل ما يمكن أن يتحول إلى نار. منذ أن فقدت مصدر رزقها، أصبحت الأرض والركام وجهتها اليومية، تجمع ما تستطيع حمله لتبيعه مع زوجها على بسطة صغيرة في شارع فلسطين، حيث يشتري النازحون الحطب لإعداد الطعام والتدفئة.
نيفـين تنحدر من حي الشجاعية، وكانت قبل الحرب تعيش حياة مختلفة تمامًا. كانت تملك مع زوجها سوبر ماركت، يشكل مصدر دخلهما الوحيد، إلى جانب منزل يأوي أسرتهما. لكن الحرب هدمت المنزل والمتجر معًا، وتركت العائلة أمام واقع قاسٍ: البدء من الصفر، وسط مدينة دمرتها الحرب وشحّت فيها أبسط مقومات الحياة.
لم يكن جمع الحطب بالنسبة إلى نيفين مجرد وسيلة للبقاء، بل قادها في أحد الأيام إلى اكتشاف شيء لم تستطع التعامل معه باعتباره مجرد بقايا ركام.
كانت تجد الكتب بين الأنقاض.
كتاب هنا، وآخر هناك، صفحات مغطاة بالغبار، وكتب نجت بطريقة ما من البيوت التي تحولت إلى ركام. كانت تجمعها كما تجمع الحطب، لكنها كانت تضعها جانبًا، بعيدًا عن النار.
لم تستطع نيفين أن تحرق كتابًا.
تقول إن الكتب ليست حطبًا، وإنها لا يمكن أن تكون وقودًا لنار تطهو الطعام، لأن فيها ما هو أبعد من الورق والحبر: فيها علم ومستقبل وذاكرة.
وتروي نيفين أن ما حدث لأهل غزة لم يدمّر البيوت وحدها، بل حاول أن يدفع الناس إلى نقطة الصفر، وأن يحرم أبناءهم من التعليم والمعرفة. لذلك، قررت أن تفعل شيئًا بالكتب التي تنجو من تحت الركام.
فإلى جانب بسطة الحطب، أقامت مساحة صغيرة للكتب التي تجمعها.
تضع كتابًا بجوار آخر، وتنتظر من يمرّ به. من يريد القراءة، توجهه إلى كتاب يناسبه، وتشجعه على ألا يكتفي بكتاب واحد. قرأت بنفسها معظم الكتب التي جمعتها، والتي تجاوز عددها العشرات، قبل أن تعرضها على بسطة الكتب.
بالنسبة إلى نيفين، لم يعد الأمر مجرد بيع للحطب وتأمين لقمة العيش. أصبحت تحمل في طريق عودتها من بين الأنقاض شيئًا آخر لا يقل أهمية عن الحطب: المعرفة.
تقول إنها تنصح كل طالب علم أو شخص يبحث عن المعرفة بأن يقرأ هذا الكتاب ثم ذاك، وأن يستفيد من كل ما يمكن أن يصل إليه. فالكتب، بالنسبة إليها، هي ما تبقى لأطفال غزة من طريق إلى المستقبل.
تقول نيفين إنها لا تستطيع، بأي شكل من الأشكال، أن تجعل هذه الكتب مادة لإشعال النار، مهما كانت حاجتها إلى الحطب أو المال.
فالنار تنتهي حين ينتهي الطعام، أما الكتاب فيبقى.
وفي غزة، حيث تحولت البيوت إلى ركام، والمتاجر إلى أنقاض، وأصبح الحطب مصدر رزق، تحاول نيفين أن تنقذ شيئًا آخر من تحت الركام: حق أطفالها وأطفال غزة في أن يظلوا قادرين على القراءة والتعلم.
بين بسطة تبيع الحطب وأخرى تعرض الكتب، تقف نيفين أمام مفارقة الحرب كلها؛ امرأة تبحث يوميًا عما يشعل نارًا لتطهو بها، لكنها في الوقت نفسه تحمي الكتب من النار، لأنها تؤمن أن مستقبل أبنائها لا يمكن أن يكون وقودًا للحرب.
من بين الحطب والركام.. نيفين الغرابلي تنقذ الكتب من النار
الرسالة نت - متابعة خاصة