لا يُنظر إلى مخطط E1 الاستيطاني باعتباره مجرد مشروع لبناء آلاف الوحدات السكنية شرق القدس المحتلة، بل بوصفه واحدًا من أخطر المشاريع الإسرائيلية التي تستهدف إعادة رسم الخريطة الجغرافية والديمغرافية للقدس والضفة الغربية، عبر ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس، وعزل المدينة المحتلة عن محيطها الفلسطيني، وخلق حاجز استيطاني يفصل شمال الضفة ووسطها عن جنوبها.
وتقع منطقة E1 في مساحة استراتيجية شرقي القدس، بين القدس ومستوطنة "معاليه أدوميم"، وتمتد في محيط أراضي بلدات وقرى فلسطينية من بينها عناتا والعيساوية والزعيم والعيزرية وأبو ديس، إضافة إلى تجمعات بدوية فلسطينية تنتشر في المنطقة.
وتشير وثائق وتقارير حقوقية إلى أن المنطقة الأوسع المرتبطة بمشروع توسعة "معاليه أدوميم" تبلغ نحو 12 ألف دونم، أي قرابة 12 كيلومترًا مربعًا، فيما تبلغ مساحة مخططات البناء السكني المباشر التي جرى دفعها حديثًا داخل E1 نحو 2100 دونم. لذلك تختلف الأرقام المتداولة بشأن مساحة المشروع بحسب ما إذا كان المقصود كامل منطقة E1 أو مساحة مخطط الوحدات السكنية نفسه.
ما هو E1؟
مصطلح E1 هو تسمية إسرائيلية اختصارًا لـ"East 1"، أي "شرق 1"، ويشير إلى المنطقة الواقعة شرقي القدس بين المدينة ومستوطنة "معاليه أدوميم".
بدأت فكرة تطوير المنطقة استيطانيًا منذ تسعينيات القرن الماضي، وكان الهدف الإسرائيلي الأساسي منها إيجاد تواصل عمراني واستيطاني مباشر بين القدس و"معاليه أدوميم"، بما يحول الكتلتين عمليًا إلى امتداد جغرافي واحد.
ويشمل المشروع، إلى جانب آلاف الوحدات الاستيطانية، شبكات طرق وبنى تحتية ومناطق تجارية وتشغيلية ومرافق عامة، بما يعني أنه لا يتعامل مع E1 كحي سكني منفرد، وإنما كجزء من مشروع لإعادة تشكيل المنطقة الواقعة شرق القدس بالكامل.
وفي أغسطس/آب 2025، منحت سلطات التخطيط الإسرائيلية الموافقة النهائية على مخططات لبناء نحو 3401 وحدة استيطانية في E1، بعد سنوات طويلة ظل فيها المشروع مجمدًا أو بطيء التنفيذ بفعل الاعتراضات والضغوط الدولية.
ولم يعد المشروع، حتى أغسطس/آب 2026، مجرد مخطط على الورق؛ إذ أعلنت حركة "السلام الآن" الإسرائيلية في 19 أغسطس/آب 2026 أن وزارة الإسكان الإسرائيلية فتحت باب العطاءات لبناء 1234 وحدة سكنية من أصل 3401 وحدة مخططة في المنطقة، وهي خطوة تقرّب المشروع من مرحلة التنفيذ الفعلي.
كما طُرحت مناقصات لمناطق تشغيل وتجارة على مساحة تقارب 1355 دونمًا شرقي عناتا والزعيم، في إطار استكمال التواصل العمراني بين القدس و"معاليه أدوميم".
لماذا موقع E1 بالغ الخطورة؟
تكمن خطورة E1 قبل كل شيء في موقعه.
فالمشروع يقع عند نقطة التقاء جغرافية حساسة بين القدس ورام الله شمالًا وبيت لحم جنوبًا وأريحا والأغوار شرقًا.
وفي الوضع الجغرافي الحالي، تشكل المنطقة أحد الممرات الرئيسية التي تسمح باستمرار التواصل بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، كما تمثل الامتداد الطبيعي لمدينة القدس باتجاه الضفة.
لكن إقامة كتلة استيطانية إسرائيلية كبيرة ومتصلة في هذه المساحة تعني عمليًا إنشاء حزام استيطاني يمتد من القدس باتجاه الشرق، بما يضيّق أو يقطع المجال الفلسطيني الذي يربط شمال الضفة بجنوبها.
وحذرت الأمم المتحدة من أن المشروع سيخلق تواصلًا عمرانيًا بين "معاليه أدوميم" والقدس، وسيؤدي إلى مزيد من تفتيت الضفة الغربية وفصل القدس الشرقية عن باقي الأراضي الفلسطينية المحتلة.
القدس أولًا.. عزل المدينة عن محيطها
الهدف الأشد تأثيرًا في E1 يتعلق بالقدس نفسها.
فالقدس الشرقية لا يمكن، جغرافيًا وديمغرافيًا، فصلها عن بلدات محيطة بها مثل أبو ديس والعيزرية وعناتا والزعيم، ولا عن رام الله وبيت لحم.
هذه المناطق تشكل الامتداد السكاني والاقتصادي والاجتماعي الفلسطيني للمدينة.
ومن شأن استكمال E1 أن يوسع الكتل الاستيطانية شرقي القدس، ويضع حاجزًا عمرانيًا إسرائيليًا بين المدينة ومحيطها الفلسطيني الشرقي.
وبهذا تتحول القدس تدريجيًا من مدينة فلسطينية مرتبطة بالضفة الغربية إلى جزيرة محاطة بشبكة من المستوطنات والطرق والحواجز.
وتصف الأمم المتحدة منطقة E1 بأنها "مركز عصبي" يربط القدس الشرقية برام الله وبيت لحم، ولذلك فإن البناء فيها سيؤثر بشكل جوهري على حرية حركة الفلسطينيين وعلى إمكانية الوصول إلى العمل والتعليم والصحة والخدمات في القدس.
كيف يغير E1 الديمغرافيا؟
البعد الديمغرافي للمخطط لا يقوم فقط على إضافة آلاف المستوطنين إلى المنطقة، بل على إعادة توزيع السكان والسيطرة على الأرض.
فمن جهة، يؤدي بناء آلاف الوحدات الجديدة إلى زيادة عدد المستوطنين الإسرائيليين في المنطقة المحيطة بالقدس الشرقية.
ومن جهة ثانية، تتعرض التجمعات الفلسطينية، خصوصًا البدوية، لضغوط متصاعدة من خلال هدم المنازل والمنشآت، ومنع البناء، ومصادرة الأراضي، والتضييق على الرعي وسبل العيش، وهو ما يزيد مخاطر تهجير السكان الفلسطينيين منها.
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، يعيش في المنطقة المتأثرة بمخطط E1 18 تجمعًا بدويًا ورعويًا فلسطينيًا يزيد عدد سكانها في التقديرات الأحدث على 4 آلاف شخص، يواجهون خطر التهجير القسري.
ومن بين أشهر هذه التجمعات الخان الأحمر، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى إحدى أبرز ساحات الصراع على منطقة E1.
وتخشى المؤسسات الحقوقية أن يؤدي إفراغ هذه المناطق من سكانها الفلسطينيين إلى فتح المجال أمام توسيع التواصل الاستيطاني من القدس حتى "معاليه أدوميم".
فصل شمال الضفة عن جنوبها
لا تتوقف آثار المشروع عند القدس.
فإذا اكتمل البناء في E1 مع شبكة الطرق والحواجز المرتبطة به، سيضيق الممر الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة وجنوبها إلى حد كبير.
وتشير منظمة "بتسيلم" إلى أن البناء في المنطقة سيخلق شريطًا عمرانيًا مستمرًا بين القدس و"معاليه أدوميم"، وسيؤدي إلى تضييق الممر بين شمال الضفة وجنوبها، فيما ستصبح أجزاء من الطرق الرئيسية داخل المجال العمراني الاستيطاني أو خاضعة لنظام حركة منفصل.
ولهذا حذر الأمين العام للأمم المتحدة في أغسطس/آب 2025 من أن المشروع سيؤدي إلى قطع شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ووصفه بأنه "تهديد وجودي لحل الدولتين".
طرق للفلسطينيين وأخرى للمستوطنين
يترافق E1 مع مشروع أوسع لإعادة تنظيم حركة الفلسطينيين والإسرائيليين في شرق القدس.
ومن أبرز العناصر المرتبطة بالمخطط إنشاء طرق بديلة تمر من خلالها حركة الفلسطينيين بين أجزاء الضفة، بينما يجري الحفاظ على الطرق الرئيسية والتواصل المباشر بين القدس والمستوطنات للاستخدام الإسرائيلي.
وفي مارس/آذار 2025، أقرت السلطات الإسرائيلية طريقًا جديدًا يربط بين الزعيم والعيزرية، باعتباره جزءًا من شبكة طرق أوسع تهدف إلى تحويل حركة الفلسطينيين بعيدًا عن شارع رقم 1، وهو الطريق الرئيسي الرابط بين القدس وأريحا عبر المنطقة المخصصة لـE1.
وترى منظمات حقوقية أن هذه الطرق قد تُبقي على اتصال مروري تقني بين شمال الضفة وجنوبها، لكنها لا تعوض التواصل الجغرافي الحقيقي.
بمعنى آخر، يستطيع الفلسطيني الانتقال من منطقة إلى أخرى عبر طرق وأنفاق ملتفة، بينما تصبح الأرض فوقه أو حوله كتلة استيطانية إسرائيلية متصلة.
من القدس إلى الأغوار
يتصل مخطط E1 برؤية أوسع لما يُسمى إسرائيليًا "القدس الكبرى".
فـ"معاليه أدوميم" ليست مستوطنة معزولة، وإنما مركز كتلة استيطانية ضخمة تمتد شرق القدس باتجاه الأغوار.
وحين تُربط هذه الكتلة بالقدس من خلال E1، يصبح هناك امتداد استيطاني إسرائيلي يبدأ من القدس ويتجه شرقًا نحو منطقة البحر الميت.
وهذا الامتداد يفرض واقعًا جغرافيًا جديدًا يقسم المساحة الفلسطينية ويحد من إمكانية توسع المدن والبلدات الفلسطينية مستقبلاً.
استهداف أبو ديس والعيزرية والزعيم وعناتا
تقع عدة بلدات فلسطينية مباشرة في دائرة التأثير للمشروع.
فأبو ديس والعيزرية، اللتان تشكلان امتدادًا طبيعيًا للقدس الشرقية، تواجهان خطر الحصار من التوسع الاستيطاني والطرق والحواجز.
أما الزعيم وعناتا والتجمعات البدوية المحيطة بهما، فتقع أجزاء واسعة من أراضيها داخل أو بمحاذاة المنطقة المستهدفة بالمخطط.
ويؤدي ذلك إلى تقليص احتياطيات الأراضي التي تحتاج إليها هذه البلدات للتوسع الطبيعي في المستقبل، مقابل تخصيص مساحات كبيرة للبناء الإسرائيلي وشبكات الطرق والبنى التحتية الاستيطانية.
مشروع عمره أكثر من ثلاثة عقود
ظهر مشروع E1 بصورته التخطيطية الحالية خلال تسعينيات القرن الماضي، لكنه بقي لسنوات أحد أكثر المشاريع الاستيطانية حساسية دوليًا.
وأحجمت حكومات إسرائيلية متعاقبة عن تنفيذه بالكامل، خصوصًا بسبب الضغوط الأمريكية والأوروبية والتحذيرات من أثره المباشر على إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة.
لكن المخطط عاد إلى الواجهة بقوة خلال السنوات الأخيرة، وجرى تسريع إجراءات التخطيط والمصادقة عليه.
وفي 6 أغسطس/آب 2025، رفض مجلس التخطيط الأعلى الإسرائيلي الاعتراضات المقدمة ضد المخطط، ثم جاءت الموافقة النهائية في 20 أغسطس/آب على أكثر من 3400 وحدة استيطانية.
أما في 2026، فانتقلت الإجراءات إلى مرحلة أكثر تقدمًا مع طرح مناقصات فعلية للبناء والتجارة والتشغيل في المنطقة.
لماذا تصر إسرائيل على المشروع؟
يقدم المسؤولون الإسرائيليون E1 باعتباره امتدادًا طبيعيًا لـ"معاليه أدوميم" ومشروعًا لتطوير الإسكان والبنية التحتية.
لكن تصريحات وزراء إسرائيليين كشفت أيضًا البعد السياسي للمشروع.
فقد أشارت لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة إلى تصريح لوزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في مايو/أيار 2025 قال فيه إن البناء في E1 سيؤدي عمليًا إلى "قتل الدولة الفلسطينية"، في سياق السياسة الرامية إلى فرض وقائع تحول دون قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ومن هنا يُنظر إلى المخطط باعتباره أداة لترجمة الضم إلى وقائع مادية على الأرض من دون الحاجة بالضرورة إلى إعلان ضم رسمي شامل.
ماذا يعني المخطط لدولة فلسطينية؟
قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة يحتاج، في الحد الأدنى، إلى ثلاثة عناصر جغرافية:
اتصال القدس الشرقية بالضفة الغربية، واتصال شمال الضفة بجنوبها، ووجود مجال يسمح بالتوسع السكاني والاقتصادي الطبيعي.
ويصيب E1 العناصر الثلاثة في آن واحد.
فهو يعزل القدس عن عمقها الفلسطيني، ويقطع أو يضيّق محور رام الله–القدس–بيت لحم، ويوسع السيطرة الاستيطانية في قلب الضفة.
ولهذا لا تقتصر الاعتراضات الدولية عليه على كونه توسعًا استيطانيًا جديدًا، بل تنظر إليه باعتباره تغييرًا جغرافيًا يصعب التراجع عنه مستقبلًا.
موقف القانون الدولي
تعتبر الأمم المتحدة المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، مخالفة للقانون الدولي.
وعقب الموافقة على E1 في أغسطس/آب 2025، أكد الأمين العام للأمم المتحدة أن المستوطنات "انتهاك للقانون الدولي"، وطالب إسرائيل بوقف النشاط الاستيطاني فورًا.
كما اعتبر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أن الموافقة النهائية على المشروع تمثل خطوة إضافية لترسيخ ضم الضفة الغربية المحتلة، وتتناقض مع حظر الاستيلاء على الأراضي بالقوة.
ويأتي ذلك أيضًا في سياق الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو/تموز 2024، الذي أكد عدم قانونية استمرار الوجود الاستيطاني الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة وطالب بوقف الأنشطة الاستيطانية الجديدة.
E1 بالأرقام
يمكن اختصار أبرز معطيات المشروع على النحو الآتي:
نحو 12 كيلومترًا مربعًا: المساحة التقريبية للمنطقة الأوسع المرتبطة بمخطط التوسع شرقي القدس و"معاليه أدوميم".
2100 دونم تقريبًا: مساحة مخططات البناء السكني التي تشمل أكثر من 3400 وحدة.
3401 وحدة استيطانية: عدد الوحدات التي حصلت مخططاتها على الموافقة النهائية في أغسطس/آب 2025.
1234 وحدة: طُرحت مناقصتها للبناء في أغسطس/آب 2026.
1355 دونمًا: مساحة منطقة تشغيل وتجارية مرتبطة بالمشروع طرحت لها إجراءات ومناقصات منفصلة.
18 تجمعًا فلسطينيًا بدويًا ورعويًا: تقع في المنطقة المتأثرة بالمشروع.
أكثر من 4 آلاف فلسطيني: يعيشون في هذه التجمعات وفق تقديرات أممية حديثة ويواجهون مخاطر متزايدة للتهجير.
الخلاصة.. ليست 3400 وحدة فقط
تكمن خطورة E1 في أن عدد الوحدات الاستيطانية ليس جوهر القصة.
المسألة تتعلق بالمكان الذي ستقام فيه هذه الوحدات وبالواقع الذي ستصنعه.
فملء الفراغ بين القدس و"معاليه أدوميم" بالاستيطان يعني إنشاء كتلة إسرائيلية متصلة شرقي القدس، وفصل المدينة عن امتدادها الفلسطيني، ومحاصرة أبو ديس والعيزرية والزعيم وعناتا والتجمعات البدوية، وتضييق الممر الذي يربط شمال الضفة بجنوبها.
وبذلك يصبح مخطط E1 جزءًا مركزيًا من عملية إعادة هندسة جغرافية القدس والضفة الغربية: زيادة الوجود الاستيطاني، تقليص المجال الفلسطيني، عزل القدس، وتجزئة الأراضي الفلسطينية إلى جيوب منفصلة مرتبطة بطرق خاضعة للسيطرة الإسرائيلية.
ولهذا ظل المشروع مجمدًا لعقود، ولهذا أيضًا يمثل انتقاله اليوم من مرحلة التخطيط إلى العطاءات والبناء تحولًا بالغ الخطورة؛ فالهدف لا يقتصر على بناء حي استيطاني جديد، بل على رسم خريطة سياسية وديمغرافية جديدة للقدس والضفة الغربية يصعب معها مستقبلاً إعادة وصل ما جرى فصله.