لا تبدو اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة مجرد حوادث متفرقة تستهدف الفلسطينيين وممتلكاتهم، بل تتحول تدريجيا إلى نمط متصاعد من العنف يهدد بتفجير الأوضاع الميدانية، في وقت تتسع فيه رقعة الاستيطان وتتراجع فيه قدرة الفلسطينيين على حماية أراضيهم وبلداتهم.
ويكتسب هذا التصعيد بعدا إضافيا مع خروج تحذيرات من داخل المؤسسة العسكرية (الإسرائيلية) نفسها، إذ حذر كبار القادة العسكريين وزير الحرب (الإسرائيلي) يسرائيل كاتس من احتمال اندلاع "مواجهة واسعة" في الضفة، على خلفية الارتفاع الحاد في اعتداءات المستوطنين، معتبرين أن ما تصفه (إسرائيل) بـ"الإرهاب اليهودي" بات أحد عوامل تأجيج التوتر وتهديد حالة الهدوء النسبي.
وبحسب المعطيات التي عرضت أمام القيادة العسكرية، سجل عام 2024 نحو 682 حادثة من هذا النوع، ارتفعت إلى 867 حادثة عام 2025، فيما شهد النصف الأول من 2026 أكثر من 630 حادثة، في مؤشر على تسارع وتيرة الاعتداءات.
وتتطابق هذه المعطيات مع التحذيرات الأممية من أن العنف الاستيطاني بلغ مستويات غير مسبوقة. فقد وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1430 حادثة اعتداء للمستوطنين منذ بداية 2026 وحتى 10 أغسطس/آب، طالت نحو 260 تجمعا فلسطينيا، فيما تسبب العنف وهدم المنازل والإخلاءات بتهجير نحو 3800 فلسطيني، قرابة نصفهم من الأطفال.
وتشير بيانات فلسطينية إلى أن عام 2026 سجل حتى 21 أغسطس/آب أعلى حصيلة سنوية للفلسطينيين الذين قتلوا جراء اعتداءات المستوطنين منذ بدء رصد هذه البيانات عام 2019، بواقع 25 شهيدا خلال الأشهر الثمانية الأولى، ليرتفع إجمالي القتلى جراء هذه الاعتداءات منذ 2019 إلى 87 فلسطينيا.
ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قتل 61 فلسطينيا في اعتداءات للمستوطنين، أي أكثر من 70% من إجمالي القتلى المسجلين منذ 2019. وتتصدر محافظتا رام الله والبيرة ونابلس قائمة المناطق الأكثر تضررا، إذ سجلتا معا 62 قتيلا.
العنف كأداة للتهجير
ولا يتوقف أثر الهجمات عند الخسائر البشرية؛ فالاعتداءات تمتد إلى إحراق المنازل والمركبات، تدمير الممتلكات، الاعتداء على المزارعين، سرقة المواشي، قطع الطرق، وتخريب مصادر المياه ووسائل الإنتاج، بما يجعل بقاء الفلسطينيين في بعض المناطق أكثر صعوبة يوما بعد آخر.
وفي تقرير لها، قالت هيومن رايتس ووتش إن عنف المستوطنين يتسبب بصورة متزايدة في تهجير الفلسطينيين قسرا من قرى وبلدات في الضفة، مشيرة إلى أن الهجمات تشمل القتل والاعتداءات والعنف الجنسي والحرق المتعمد وتدمير الممتلكات والسرقة والاحتجاز التعسفي.
وحققت المنظمة في هجمات استهدفت سبع قرى وبلدات فلسطينية، بينها المغير ومخماس والطيبة في رام الله، وجالود وقريوت في نابلس، وخربة حمصة والمعرجات في الأغوار، وقالت إن مستوطنين مسلحين هاجموا السكان وممتلكاتهم في بعض الحالات بالتزامن مع وجود وحدات من الجيش (الإسرائيلي) أو في ظل عدم تدخل الجنود.
وتتحدث الأمم المتحدة بدورها عن نمط متكرر للتهجير، يبدأ بإقامة بؤرة استيطانية قرب تجمع فلسطيني، ثم تقييد الوصول إلى مصادر المياه والمراعي، يتبعه عنف متكرر وتدمير للممتلكات والمواشي والبنية التحتية، وصولا إلى دفع السكان إلى الرحيل.
ووفق بيانات الأمم المتحدة، تعرضت 127 قرية وتجمعا فلسطينيا للتهجير الكلي أو الجزئي منذ يناير/كانون الثاني 2023، بما أثر على أكثر من 6390 فلسطينيا، فيما ارتفع عدد المهجرين خلال 2026 وحده بفعل عنف المستوطنين وعمليات الهدم والإخلاء إلى نحو 3800 شخص.
من الجيش إلى شرطة بن غفير
ويأتي تصاعد الاعتداءات بالتزامن مع خطوة سياسية وأمنية (إسرائيلية) أثارت مخاوف فلسطينية ودولية، تمثلت في قرار كاتس إعداد خطة لنقل مسؤولية إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين في الضفة من الجيش إلى الشرطة (الإسرائيلية) الخاضعة لوزير الأمن القومي إيتمار بن غفير.
ويرى منتقدو القرار أنه لا يمثل مجرد إعادة توزيع للصلاحيات، بل قد يؤدي إلى تكريس واقع جديد في الضفة، خصوصا أن بن غفير رحب بالخطوة واعتبرها خطوة مهمة باتجاه فرض السيادة الإسرائيلية على المنطقة.
ويكتسب القرار خطورته من توقيته؛ فهو يأتي بينما تسجل الضفة مستويات قياسية من العنف والتهجير، وفي ظل اتهامات حقوقية بأن السلطات (الإسرائيلية) لا تكتفي بالفشل في منع اعتداءات المستوطنين، وإنما توفر في بعض الحالات السلاح والتمويل والغطاء القانوني والسياسي لهم.
ومن شأن نقل ملف إنفاذ القانون إلى الشرطة أن يغير طبيعة التعامل مع المستوطنين، ويثير تساؤلات بشأن الجهة التي ستفرض القانون عليهم ومدى استقلالها، ولا سيما في ظل ارتباط الوزارة التي ستتولى هذه الصلاحيات بأحد أبرز التيارات السياسية الداعمة للاستيطان.
تحذير من انفجار الضفة
وفي المقابل، تبدو المؤسسة العسكرية (الإسرائيلية) نفسها قلقة من تداعيات هذه السياسة. فبحسب التقارير التي نقلت عن مصادر عسكرية، يرى القادة أن استمرار الاعتداءات قد يدفع الفلسطينيين إلى التخلي عن حالة الهدوء النسبي، ويزيد احتمالات الاحتكاك مع الجيش والمستوطنين، بما قد يقود إلى موجة تصعيد يصعب احتواؤها.
كما أن التعامل مع اعتداءات المستوطنين يستنزف وحدات الجيش، الذي يضطر إلى تخصيص قوات إضافية لحماية مناطق الاحتكاك، في وقت يخوض فيه مواجهات ومهام أمنية وعسكرية متعددة.
لكن المفارقة أن التحذير من انفجار الضفة يتزامن مع إجراءات يرى الفلسطينيون أنها تعزز البيئة التي تغذي هذا الانفجار، بدءا من التوسع الاستيطاني، مرورا بتسليح المستوطنين، وصولا إلى نقل صلاحيات إنفاذ القانون إلى الشرطة التي يشرف عليها بن غفير.
وتظهر هذه المفارقة بوضوح في قرية قصرة جنوب نابلس، حيث واجه سكان فلسطينيون خلال أغسطس/آب اعتداءات وحصارا لمنازلهم من قبل مستوطنين مسلحين، وسط اتهامات للقوات الإسرائيلية بعدم توفير الحماية الكافية للسكان. وأفادت تقارير بأن أكثر من 2200 فلسطيني هُجروا خلال 2026 بسبب عنف المستوطنين، بينهم سكان من قصرة.
الضفة أمام مسارين
وتضع هذه التطورات الضفة الغربية أمام مسارين متوازيين: الأول أمني، يتمثل في ارتفاع الاعتداءات والقتل والتهجير واحتمال تحولها إلى مواجهات أوسع؛ والثاني سياسي، يتمثل في ترسيخ الاستيطان وتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الأرض عبر إجراءات قانونية وإدارية وأمنية.
وتحذر الأمم المتحدة من أن التوسع الاستيطاني والعنف المصاحب له يقوضان بصورة متزايدة إمكانية إقامة دولة فلسطينية متصلة جغرافيا. كما وثقت الأمم المتحدة خلال الفترة الأخيرة ارتفاعا قياسيا في وتيرة الاعتداءات، بمعدل يقارب ستة اعتداءات يوميا خلال مراحل من العام الجاري.
أما حقوقيا، فتقول هيومن رايتس ووتش إن الهجمات التي تشهدها الضفة تسهم في خلق نمط من التهجير القسري، بينما خلص مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى أن عنف المستوطنين أصبح عاملا رئيسيا في إفراغ مناطق استراتيجية من سكانها الفلسطينيين، خصوصا في الأغوار ومناطق "ج".
وهكذا، لم تعد اعتداءات المستوطنين قضية أمنية محدودة بالنسبة (لإسرائيل) أو قضية حماية مدنيين بالنسبة للفلسطينيين فحسب، بل باتت جزءا من معركة أوسع على الأرض ومستقبل الضفة الغربية. وبينما تحذر المؤسسة العسكرية (الإسرائيلية) من انفجار قد يخرج عن السيطرة، تستمر الوقائع الميدانية في الدفع نحو واقع جديد تتداخل فيه المستوطنة مع القوة المسلحة، ويتحول فيه العنف من اعتداءات فردية إلى وسيلة ضغط على السكان ودفعهم إلى الرحيل.
وفي ظل غياب إجراءات دولية قادرة على وقف الاعتداءات ومحاسبة مرتكبيها، يبقى خطر اتساع دائرة العنف قائما، ليس فقط باعتباره تهديدا أمنيا آنيا، بل بوصفه مسارا قد يغير الخريطة الديمغرافية والجغرافية للضفة الغربية، ويجعل الحديث عن حل الدولتين أكثر صعوبة على الأرض يوما بعد آخر.