في عالمٍ تتصارع فيه القوى الكبرى على النفوذ والممرات والمصالح، تبدو اللغة السياسية أحيانًا أكثر قسوة من صوت المدافع نفسها، خصوصًا حين تصدر التهديدات من رئيس دولة عظمى تجاه دولة عُرفت عبر تاريخها بالحكمة والهدوء والدبلوماسية. ولهذا كان وقع تصريحات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب تجاه سلطنة عُمان صادمًا للكثيرين، ليس فقط بسبب حدّة الكلمات، بل لأن عُمان لم تكن يومًا دولة عدوان أو تهديد أو مشروع حرب.
فالسلطنة التي اختارت منذ عقود أن تكون جسرًا بين الخصوم، وأن تُبقي أبواب الحوار مفتوحة حتى في أحلك الأزمات، تجد نفسها اليوم في مرمى خطابٍ سياسي متوتر، قائم على استعراض القوة أكثر من فهم طبيعة المنطقة وتعقيداتها.
عُمان لم تبنِ نفوذها بالصواريخ ولا بالتحريض ولا بإشعال الفتن، بل بنت مكانتها بالصبر السياسي والاتزان والعلاقات المتوازنة مع الجميع. فمنذ سنوات طويلة، لعبت السلطنة دور الوسيط في ملفات شديدة الحساسية، بين الولايات المتحدة وإيران، وبين أطراف عربية وإقليمية متصارعة، وكانت في كثير من الأحيان صمام أمان يمنع المنطقة من الانفجار الكامل.
ولهذا فإن السؤال الذي يطرحه كثيرون اليوم مشروع ومنطقي:
ماذا فعلت عُمان لكي تُهدَّد بالقصف؟
هل لأنها حاولت منع التصعيد؟
أم لأنها لا تتحدث بلغة الاستفزاز؟
أم لأنها اختارت أن تكون دولة عقل لا دولة صخب؟
المؤلم في المشهد ليس فقط مضمون التهديد، بل الطريقة التي باتت تُدار بها السياسة الدولية، حيث تتحول لغة الحوار إلى لهجة وعيد، ويُستخدم ثقل القوة العسكرية لترهيب الدول الصغيرة حتى وإن لم ترتكب ذنبًا سوى تمسكها باستقلال قرارها السياسي.
لقد اعتادت المنطقة العربية، للأسف، أن تسمع لغة القوة من الخارج، لكن حين تصل هذه اللغة إلى سلطنة مثل عُمان، فإن الأمر يحمل دلالات خطيرة تتجاوز مجرد تصريح إعلامي عابر. فاستهداف دولة عُرفت بالحياد يعني أن العالم لم يعد يحتمل حتى الأصوات الهادئة، وأن منطق الهيمنة يريد الجميع في خندق واحد، إما تابعًا بالكامل أو متهمًا ومهددًا.
ومع ذلك، يدرك العارفون بالسياسة العُمانية أن السلطنة ليست دولة انفعالات أو ردود فعل متسرعة. فعُمان تعرف جيدًا كيف تدير الأزمات بصمت، وكيف تحافظ على كرامتها دون أن تنجر إلى الفوضى. وهذه السياسة تحديدًا هي ما أكسبها احترامًا واسعًا في المنطقة والعالم، حتى لدى خصوم بعضهم البعض.
إن ما يجري اليوم يكشف حجم التوتر الذي يحيط بمنطقة الخليج، خاصة مع تصاعد الحديث عن مضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية. فكلما اشتدت الأزمات بين واشنطن وطهران، أصبحت المنطقة كلها تحت ضغط الحسابات العسكرية والاقتصادية، وتحولت دول الخليج إلى ساحات رسائل متبادلة بين الكبار.
لكن وسط هذا الضجيج، تبقى عُمان مختلفة.
دولة لا تبحث عن الأضواء، ولا تتغذى على الأزمات، ولا تُتقن خطابات الاستعراض، بل تؤمن أن الحكمة قادرة أحيانًا على حماية الشعوب أكثر من الجيوش.
ولذلك فإن كثيرًا من العرب والمسلمين شعروا بالاستياء من لغة التهديد تجاه السلطنة، لأنهم يرون فيها بلدًا عربيًا حافظ على قدر كبير من الاتزان والاحترام في زمن الانقسامات الحادة. كما أن الشعب العُماني عُرف بأخلاقه وهدوئه وابتعاده عن مشاريع الفوضى والصراعات.
ربما تستطيع القوى الكبرى أن تفرض نفوذها بالقوة، وأن تُرهب الآخرين بخطابات النار، لكنها لن تستطيع أن تنتزع احترام الشعوب بالقصف والتهديد. فالدول تُحترم بمواقفها وعدالتها، لا بحجم ترسانتها فقط.
وفي النهاية، قد تمر التصريحات السياسية كما مرت غيرها، لكن ما يبقى في ذاكرة الناس هو الفرق بين من اختار لغة الحكمة، ومن اختار لغة الغاب.