يتصاعد الغضب الإسرائيلي من تركيا ونفوذها في المنطقة بشكل لافت وفي أكثر من ملف بشكل يعكس تراكمية في الخلافات بين الطرفين والتي فجرها رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حينما اتهم تركيا بأنها محور للإخوان المسلمين وأن 400 عام من حكم الدولة العثمانية انتهت، في إشارة إلى محاولات فرض النفوذ التركية في المنطقة.
و يمكن فهم الغضب الإسرائيلي المتزايد تجاه تركيا باعتباره ناتجًا عن مجموعة عوامل مترابطة، وليس بسبب النفوذ التركي في سوريا وحده. رغم أن التطورات الأخيرة تجعل الملف السوري هو أكثر العوامل العسكرية مباشرة، لكنه يأتي فوق تراكمات سياسية واستراتيجية أوسع.
1. النفوذ التركي المتصاعد في سوريا
هذا هو العامل الأكثر حساسية حاليًا. بعد سقوط نظام الأسد، أصبحت تركيا من أبرز القوى الخارجية المؤثرة في سوريا، وتدعم الحكومة السورية الجديدة سياسيًا وعسكريًا، بما في ذلك التدريب والتعاون الدفاعي.
والأهم بالنسبة لإسرائيل أن أنقرة لا تكتفي بنفوذ سياسي؛ بل هناك مخاوف إسرائيلية من وجود عسكري تركي متزايد ومنظومات دفاع جوي تركية في سوريا. وهذا يفسر الضربة الإسرائيلية الأخيرة لقاعدة أبو الظهور في إدلب، والتي قالت إسرائيل إنها استهدفت منع نشر قوات تركية هناك.
بمعنى آخر: إسرائيل كانت تستطيع التعامل مع نفوذ تركي سياسي في دمشق، لكنها أكثر حساسية تجاه تحول هذا النفوذ إلى بنية عسكرية تركية قريبة من المجال الإسرائيلي.
2. موقف تركيا من غزة ودورها في المفاوضات
غزة جعلت الخلاف التركي–الإسرائيلي أوسع بكثير من مجرد تنافس جيوسياسي. أنقرة أصبحت من أبرز الدول التي تتحرك سياسيًا في ملف غزة، وتشارك في الجهود المتعلقة بالهدنة وإعادة الإعمار والترتيبات السياسية لما بعد الحرب. كما أن واشنطن نفسها أقرت بأهمية الدور التركي في هذا الملف.
ومن المنظور الإسرائيلي، المشكلة ليست فقط في انتقاد أردوغان لإسرائيل، وإنما في أن تركيا تحاول أن تكون طرفًا مؤثرًا في تحديد مستقبل غزة، وليس مجرد دولة تصدر مواقف سياسية.
3. استضافة قيادات حماس
هذه نقطة أكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل. العلاقات التركية مع حماس، وخصوصًا قدرة أنقرة على التواصل المباشر مع قيادات الحركة، تمنح تركيا ورقة لا تمتلكها معظم الدول الأخرى.
واللافت أن هذه العلاقة أصبحت أيضًا جزءًا من الدور التركي الذي تستخدمه واشنطن في مسار المفاوضات، أي أن ما تعتبره إسرائيل مشكلة أمنية وسياسية يمكن أن تعتبره الولايات المتحدة أحيانًا قناة اتصال مفيدة.
وهنا يظهر أحد مصادر التوتر الأساسية: إسرائيل تريد عزل حماس سياسيًا، بينما تركيا تريد الاحتفاظ بقناة تأثير واتصال معها.
4. اتفاق الدفاع الثلاثي بين تركيا والسعودية وباكستان
هذا عامل جديد ومهم جدًا، وإن كان ينبغي عدم المبالغة فيه، كونها في بداياته ففي 7 أغسطس الحالي وقعت تركيا والسعودية وباكستان اتفاق مكة للدفاع المشترك، وينص على أن الاعتداء المسلح على دولة من الدول الثلاث يُنظر إليه باعتباره اعتداءً عليها جميعًا.
الاتفاق لم يذكر إسرائيل كعدو، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان شدد على أنه لا يستهدف دولة بعينها، لكن من زاوية إسرائيل الاستراتيجية، أهميته تكمن في شيء آخر: فهو يساهم في بناء ترتيب أمني إقليمي تقوده قوى إسلامية كبرى، ويزيد من قدرة تركيا على العمل من موقع قوة في الشرق الأوسط.
كما أن دخول باكستان، بما لديها من قدرات عسكرية ونووية، والسعودية بثقلها المالي والسياسي، يجعل المعادلة مختلفة عن مجرد تعاون تركي–سعودي ثنائي.
5. العلاقة الاستراتيجية بين أنقرة وواشنطن
وهذه ربما النقطة الأكثر تعقيدًا، فتركيا ليست إيران؛ فهي عضو في الناتو، ولها علاقات أمنية عميقة مع الولايات المتحدة. وما زالت هناك درجة مهمة من التنسيق الدفاعي والسياسي بين واشنطن وأنقرة.
لذلك فإن إسرائيل لا تنظر فقط إلى تركيا باعتبارها قوة إقليمية صاعدة، بل إلى احتمال أن تصبح تركيا قوة إقليمية صاعدة مع احتفاظها بعلاقة استراتيجية مع واشنطن.
وهذا مهم جدًا، لأن الخلاف الإسرائيلي–التركي يصبح أكثر تعقيدًا عندما تكون الولايات المتحدة نفسها بحاجة إلى تركيا في ملفات مثل سوريا وغزة والأمن الإقليمي. والدليل على ذلك أن واشنطن تحاول حاليًا إنشاء آلية لتفادي الاحتكاك العسكري بين إسرائيل وتركيا بعد الضربة الإسرائيلية الأخيرة في سوريا.
كما أن صفقة بيع واشنطن مقاتلات متطورة من طراز "إف-35" لأنقرة، اثار جنون اسرائيل التي اعتبرت أنه قد يؤثر على التفوق العسكري الإسرائيلي في الشرق الأوسط، حيث ترى اسرائيل أن حصول تركيا على هذه الطائرات المتقدمة قد يغير ميزان القوى الإقليمي.
لذلك وإن بدت سوريا ساحة الانفجار بين الطرفين لكنها تبقى نقطة ضمن خلاف استراتيجي أوسع حول من يملك النفوذ ويحدد قواعد الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط بعد حرب الإبادة في غزة وسقوط نظام الأسد.