قائمة الموقع

عام دراسي جديد بغزة.. عودة للتعليم وسط ركام الحرب وثقل الفاقد التعليمي

2026-08-18T13:44:00+03:00
الرسالة نت_ خاص


 يبدأ العام الدراسي الجديد  من بين ركام مدارس مدمرة، وخيام تحولت إلى فصول دراسية، وطلبة يحملون في حقائبهم التعليمية سنوات من الفاقد الدراسي وآثاراً نفسية عميقة خلفتها الحرب.
وبينما تستعد وزارة التربية والتعليم لاستقبال مزيد من الطلبة وإعادة انتظام العملية التعليمية، تبدو المهمة أكبر من مجرد فتح أبواب المدارس؛ إذ يتعين توفير أماكن آمنة للتعلم، وإعادة تأهيل المدارس المتضررة، وتوفير المعلمين والكتب والقرطاسية والمياه والمقاعد، إلى جانب معالجة الفجوات التعليمية والنفسية التي تراكمت لدى جيل كامل.
ويقول مدير تربية وتعليم شمال غزة، جواد صالحة، إن المديرية تمكنت خلال فترة قياسية من إعادة تشغيل 71 وحدة تعليمية في المناطق المسموح بالعودة إليها في شمال القطاع، يستفيد منها نحو 35 ألف طالب وطالبة، بينها 18 مدرسة حكومية مكفولة من اليونيسف وخمس مدارس خاصة، إلى جانب مراكز ونقاط تعليمية ورياض أطفال.
لكن هذا الإنجاز، وفق صالحة، لا يعني أن الطريق بات ممهداً أمام عام دراسي مستقر، في ظل حجم الاحتياجات التي لا تزال قائمة.


مدارس مدمرة.. ومساحات تعليمية لا تكفي


على مستوى القطاع، تكشف بيانات اليونيسف حجم الفجوة التي تواجه العملية التعليمية؛ إذ أفادت المنظمة في تقريرها الصادر في أبريل/نيسان 2026 بأن نحو 98% من مباني المدارس تضررت، وأن أكثر من 93% منها تحتاج إلى إعادة تأهيل رئيسية أو إعادة بناء كاملة، فيما تعرض نحو 81% منها لضربات مباشرة.
وهذا يعني أن العودة إلى التعليم الوجاهي لا يمكن أن تعتمد على المدارس القائمة وحدها، بل تتطلب التوسع في إنشاء مساحات تعليمية مؤقتة وتجهيز مبانٍ بديلة إلى حين إعادة إعمار المؤسسات التعليمية.
وفي شمال غزة، تحاول المديرية الاستعداد لعودة مزيد من السكان إلى مناطقهم، من خلال تجهيز خمس مدارس جديدة أو استكمال تجهيزها، بطاقة استيعابية تتجاوز 20 ألف طالب وطالبة، بما يخفف الضغط عن الوحدات التعليمية القائمة.
لكن صالحة يشير إلى أن توفير الأراضي اللازمة لإنشاء وحدات تعليمية جديدة يمثل تحدياً بحد ذاته، في ظل حاجة الأسر النازحة إلى الأراضي لإقامة خيامها، ما يجعل تأمين مواقع للمدارس منافسة إضافية على المساحات المحدودة.


الخيام.. لا تصلح بديلاً دائماً

أحد أبرز التحديات التي تواجه العام الدراسي الجديد هو استمرار الاعتماد على الخيام في عدد من المناطق.
فالخيمة، بحسب صالحة، وفرت حلاً اضطرارياً عندما لم تكن المدارس والمباني الآمنة متاحة، لكنها لا تصلح لتكون بديلاً دائماً عن الغرف الصفية.
ويزداد الأمر صعوبة خلال أشهر الصيف مع ارتفاع درجات الحرارة، ثم في الشتاء مع البرد والأمطار، فضلاً عن محدودية مساحة بعض الخيام التي قد تستضيف عشرات الطلبة في مساحة لا تتجاوز عشرات الأمتار المربعة.
وتؤكد اليونيسف أن المساحات الآمنة للتعلم ما تزال محدودة؛ فقد كان نحو 420 ألف طفل في غزة لا يحصلون على أي تعليم وجاهي وفق بيانات أبريل/نيسان 2026.
ومن هنا، فإن أحد أهم مسارات العمل للعام الدراسي الجديد يتمثل في التوسع في المساحات التعليمية المؤقتة، بالتوازي مع تأهيل المدارس القابلة للترميم وإعادة بناء المدارس المدمرة تدريجياً.


165 ألف طالب ينتظرون العودة


ولا تتمثل المشكلة فقط في المكان الذي سيتعلم فيه الطلبة، بل في حجم الطلبة الذين يجب إعادتهم إلى النظام التعليمي.
ويشير صالحة إلى أن نحو 165 ألف طالب وطالبة على مستوى القطاع كانوا خارج مقاعد الدراسة، وأن الوزارة تعمل على إعادتهم من خلال التواصل مع الأسر، وقوائم الانتظار، وبرامج التعليم الصيفي والاستدراكي.
ويأتي ذلك في وقت تشير فيه اليونيسف إلى أن نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً فقدوا التعليم الوجاهي الرسمي لنحو ثلاثة أعوام دراسية متتالية تقريباً، بينما يحتاج مئات الآلاف إلى مسارات عاجلة لاستعادة التعلم.
وكانت اليونيسف قد أعلنت مطلع 2026 توسيع برنامج "العودة إلى التعلم" بهدف الوصول إلى 336 ألف طفل خلال العام، بعدما تمكن البرنامج من توفير مساحات تعلم مؤقتة لعشرات الآلاف.
وبالتالي، فإن تحدي العام الدراسي الجديد لا يكمن فقط في تسجيل الطلبة، وإنما في إعادة دمجهم فعلياً في العملية التعليمية والحيلولة دون تحول الانقطاع الطويل إلى تسرب دائم.


فاقد تعليمي يهدد الأجيال


ثلاث سنوات تقريباً من اضطراب التعليم تركت فجوات كبيرة في القراءة والكتابة والحساب والعلوم وغيرها من المهارات الأساسية.
ويقر مدير تعليم شمال غزة بوجود فاقد تعليمي لدى الطلبة، حتى أولئك الذين تمكنوا من الالتحاق بالمساحات التعليمية خلال الفترة الماضية، مؤكداً أن الفاقد أصبح تراكمياً ووصل إلى طلبة الثانوية العامة.
ولمعالجة ذلك، اتجهت الوزارة إلى أكثر من مسار، أبرزها تخصيص شهرين للتعليم الصيفي بهدف تعويض جانب من الفاقد، إلى جانب تطبيق نموذج التعليم المسرّع بصورة تجريبية، وإضافة حصص إرشادية وتربوية ورياضية لتعزيز ارتباط الطلبة بالمدرسة.
وتشير اليونيسف إلى أن الانقطاع الطويل أدى إلى تراجع المهارات الأساسية في القراءة والحساب، وأن الأطفال الذين بلغوا سن الصف الأول خلال الحرب يواجهون تحدياً إضافياً، إذ لم يختبر كثير منهم بيئة الصف التقليدية بصورة منتظمة.
لذلك، فإن نجاح العام الدراسي الجديد يحتاج إلى خطة وطنية لتعويض الفاقد لا تقتصر على زيادة عدد أيام الدراسة، بل تقيس مستوى كل طالب وتحدد المهارات التي فقدها، ثم تقدم له برنامجاً علاجياً يناسب مستواه.
** تخصصات تعمل وأخرى خارج الخدمة
ويبرز الكادر التعليمي كأحد أكثر الملفات حساسية.
ففي شمال غزة، يبلغ عدد المعلمين والإداريين والموظفين نحو 2700 موظف، بينما تغطي اليونيسف نحو 550 موظفاً فقط، وفق صالحة.
ويشير إلى أن خمسة تخصصات أساسية تستفيد منها العملية التعليمية حالياً بدرجة أكبر، فيما تبقى نحو 13 تخصصاً أخرى خارج الاستخدام أو تعمل بصورة محدودة جداً، بينها التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا والاجتماعيات والفنون والفيزياء والكيمياء والأحياء.
وهذا يخلق مفارقة صعبة: القطاع يحتاج إلى استيعاب عشرات آلاف الطلبة الجدد، بينما جزء من الطاقات البشرية التعليمية لا يجد آلية واضحة للاستثمار.
ومن هنا، يمكن أن يشكل توظيف هؤلاء المعلمين في برامج التعليم المسرّع، والتعليم الاستدراكي، والتعليم عن بعد، والدعم النفسي والأنشطة التربوية، أحد الحلول العملية لتوسيع القدرة التعليمية دون انتظار إعادة بناء كامل المنظومة المدرسية.


غياب المادة التعليمية


من أصعب التحديات أيضاً توفير المواد التعليمية الأساسية.
ويقول صالحة إن الطالب لا يستطيع أن يتعلم بصورة فعالة من دون أن تكون لديه حزمة تعليمية واضحة، فيما لا تزال القرطاسية محدودة، ولا يحصل جميع الطلبة على ما يكفيهم من دفاتر وأقلام وغيرها من المستلزمات.
وتؤكد الأمم المتحدة أن القيود على إدخال المستلزمات التعليمية ظلت عائقاً خلال 2026؛ ففي يونيو/حزيران أفاد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية بإدخال 865 مجموعة من المستلزمات المدرسية، تكفي لنحو 46 ألف طالب، بعد فترة لم تدخل خلالها مستلزمات تعليمية لفترة طويلة.
كما تشير اليونيسف إلى أن الأطفال ظلوا لأكثر من عامين يواجهون نقصاً في أساسيات مثل الأقلام والدفاتر، وأن مجموعات "المدرسة في صندوق" بدأت بالوصول في يناير/كانون الثاني 2026.
وعليه، فإن ضمان توفر حزمة تعليمية كاملة لكل طالب قبل بدء العام الدراسي يجب أن يكون من أولويات المؤسسات الدولية، بالتوازي مع إدخال الكتب والقرطاسية بصورة منتظمة.


أزمة في المقاعد والمياه

في المدارس التي ما زالت تعمل، تبرز احتياجات تبدو بسيطة مقارنة بإعادة الإعمار، لكنها أساسية لانتظام الدراسة.
ويشير صالحة إلى أن أكثر من 70% من المدارس في شمال غزة لا تتوفر فيها مقاعد دراسية كافية، ما يدفع الطلبة إلى استخدام الفرشات أو الدراسة على الأرض.
كما تمثل المياه تحدياً إضافياً، سواء للشرب أو للنظافة، في ظل تضرر البنية التحتية للمياه والصرف الصحي.
وتشير اليونيسف إلى أن نحو 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في غزة تعرضت للضرر أو الدمار، وأن 82% من الأسر تعاني انعدام الأمن المائي، فيما لا يستطيع ما يصل إلى 70% منها الوصول إلى ستة لترات من المياه للفرد يومياً.
وبالتالي، فإن المدرسة الآمنة في العام الجديد لا تعني جدراناً وسقفاً فقط، بل تحتاج إلى مياه ومراحيض ومقاعد وتهوية وكهرباء وبيئة صحية.


الأمن.. شرط سابق على التعليم

ويظل العامل الأمني أحد أكبر التحديات.
ويشير صالحة إلى أن إطلاق النار العشوائي في بعض مناطق شمال غزة تسبب في استشهاد الطالبة ريتاج ، وإصابة آخرين خلال الحركة إلى المدارس ومنها.
كما أن وجود مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة يمثل خطراً إضافياً على الأطفال في طريقهم إلى أماكن التعلم.
وتقدر اليونيسف أن نحو 60 مليون طن من الركام تعيق الطرق وتخفي مخاطر الذخائر غير المنفجرة، ما يجعل رحلة الطفل إلى مكان التعلم نفسها محفوفة بالمخاطر.
ومن هنا، فإن توسيع التعليم الوجاهي يجب أن يترافق مع تقييم أمني للمناطق ومسارات وصول الطلبة، وإزالة المخاطر من محيط المدارس، وتوعية الأطفال بمخاطر الذخائر ومخلفات الحرب.


الوضع النفسي يعيق الاستيعاب 

ثمة تحد آخر أقل ظهوراً لكنه لا يقل خطورة: الحالة النفسية للأطفال.
فاليونيسف تشير إلى أن نحو مليون طفل في غزة يحتاجون إلى دعم نفسي واجتماعي، في ظل سنوات من الصدمات والنزوح وفقدان أفراد الأسرة والمنازل والمدارس.
ولهذا فإن الحصص الإرشادية والأنشطة الرياضية والفنية والترفيهية التي تحدث عنها مدير تعليم شمال غزة ليست إضافات هامشية، بل جزء من عملية استعادة الطفل قدرته على التعلم.
ويمكن للعام الدراسي الجديد أن يتحول إلى فرصة لاستعادة الروتين لدى الأطفال، إذا جرى دمج الدعم النفسي والاجتماعي داخل المدرسة، بدلاً من التعامل معه كبرنامج منفصل.


استعادة ما يمكن استعادته

التحدي الأكبر أمام العام الدراسي الجديد في غزة ليس فتح المدارس فقط، بل إعادة بناء معنى المدرسة نفسها بعد سنوات من النزوح والخوف والانقطاع.
فالأرقام تكشف أن أزمة التعليم لم تعد أزمة مقاعد شاغرة، وإنما أزمة بنية تحتية مدمرة، وفاقد تعليمي متراكم، ونقص في المعلمين والمستلزمات، ومخاطر أمنية، واحتياجات نفسية واجتماعية هائلة.
ومع ذلك، فإن تجربة شمال غزة تظهر أن العودة ممكنة حتى في أكثر الظروف قسوة؛ فـ71 وحدة تعليمية تستقبل نحو 35 ألف طالب، وخمس مدارس جديدة يجري تجهيزها بطاقة تتجاوز 20 ألف طالب، تمثل نواة يمكن البناء عليها.
وهنا لا تبدو مسؤولية إعادة التعليم إلى مساره مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها، بل مهمة مشتركة بين الحكومة والمؤسسات الدولية والجهات المانحة والمجتمع المحلي، لأن كل عام إضافي يمر دون تعليم منتظم

اخبار ذات صلة