المشهد في قطاع غزة يتجه إلى مرحلة أكثر تعقيداً، ليس فقط بسبب استمرار الخروقات الإسرائيلية، بل لأن جوهر الاتفاق نفسه بات مهدداً بالتفريغ وإعادة التفسير وفق الرؤية الإسرائيلية.
منذ البداية تمسكت حركة حماس بأن الاتفاق حزمة متكاملة لا تقبل التجزئة، وأن أي إخلال بأحد بنوده الأساسية يمثل إخلالاً بالاتفاق كله. لكن سلوك نتنياهو يشير إلى محاولة تحويله إلى تفاهمات أمريكية–إسرائيلية تُنفذ منها إسرائيل ما يناسبها، وتؤجل أو تعطل ما لا يخدم مصالحها.
خطر ترسيخ السيطرة الإسرائيلية
الأخطر أن القضية لم تعد مرتبطة فقط بتأخير الانسحاب، بل بمحاولة إعادة صياغة مستقبل غزة؛ من خلال تهميش اللجنة الإدارية الفلسطينية، وغياب جهة أمنية فلسطينية واضحة، مع إبقاء ملفات المياه والطاقة والمعابر والخدمات الأساسية تحت التحكم الإسرائيلي.
بهذا تنتقل إسرائيل من قوة يفترض أن تنسحب من القطاع إلى طرف يحتفظ بمفاتيح الحياة المدنية والأمنية فيه، ما يعني إعادة إنتاج الاحتلال بصيغة جديدة.
الفلسطينيون أمام معادلة صعبة
إعادة فتح الاتفاق للتفاوض من جديد قد تفرض مزيداً من التنازلات التي لم يعد لدى الفلسطينيين مساحة لتقديمها، بينما القبول بتطبيق انتقائي يعني السماح لإسرائيل بأن تصبح الطرف الذي يقرر ماذا ينفذ ومتى.
وهنا تظهر مسؤولية الوسطاء، خصوصاً مصر وقطر وتركيا. فالبيانات التي أدانت الانتهاكات الإسرائيلية وأشادت بالموقف الفلسطيني مهمة، لكنها لا تكفي ما لم تتحول إلى ضغط حقيقي يضمن تنفيذ الاتفاق كاملاً.
الكرة في ملعب واشنطن
الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الأساسية، باعتبارها طرفاً في صياغة التفاهمات وضمانها.
وإذا سمحت لنتنياهو بتحويل الاتفاق إلى مجرد تفاهمات لإدارة الهدوء، فإننا لن نكون أمام مسار لإنهاء الحرب، بل أمام إدارة طويلة للأزمة تبقى فيها إسرائيل صاحبة اليد العليا.
كما لا يمكن فصل هذا السلوك عن الانتخابات الإسرائيلية؛ فنتنياهو يتحرك بعين على غزة وأخرى على صندوق الاقتراع، فيما تبدو واشنطن حريصة على تجنب الضغط الذي قد يضر بحساباته الداخلية.
الخلاصة
المعركة اليوم لم تعد فقط حول تنفيذ بند هنا أو هناك، بل حول طبيعة الاتفاق نفسه: هل يقود إلى انسحاب إسرائيلي حقيقي وإدارة فلسطينية للقطاع، أم يتحول إلى تفاهمات مرنة تتيح لإسرائيل ترسيخ سيطرتها من الخارج؟
الخطر الحقيقي هو أن يتحول الاتفاق، الذي يفترض أن يكون طريقاً لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي لغزة، إلى أداة جديدة لإعادة إنتاجها بصورة أقل ظهوراً وأكثر إحكاماً.