رغم اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي خروقاته الميدانية، عبر الغارات وإطلاق النار والقصف المدفعي في مناطق متفرقة من القطاع، في وقت تتواصل فيه الجهود السياسية لتثبيت الهدنة والانتقال إلى مراحل جديدة من التفاهمات.
ويعمل الاحتلال على اختلاق روايات مضللة حول استهداف قواته في غزة من أجل استمرار خروقاته لوقف إطلاق النار وتهديد حياة المدنيين قرب "الخط الأصفر".
وتأتي هذه الخروقات في وقت يفترض فيه أن يشكل وقف إطلاق النار قاعدة للانتقال من المواجهة العسكرية إلى تنفيذ التفاهمات، إلا أن استمرار الهجمات الإسرائيلية يضع الهدنة أمام اختبار متواصل، ويثير مخاوف من تحويل وقف إطلاق النار إلى اتفاق هش يسمح باستمرار العمليات العسكرية تحت عناوين مختلفة.
ولا تقتصر تداعيات الخروقات على الجانب الميداني، إذ تتزامن مع تعثر تنفيذ خارطة الطريق الأميركية الخاصة بغزة، رغم إبداء حماس موافقتها على خارطة الطريق ذات البنود الـ15، بينما تواصل دولة الاحتلال رفض جوانب أساسية منها، ولا سيما ما يتعلق بالانسحاب من القطاع.
بدوره، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمد شاهين أن استمرار العدوان والانتهاكات ليس فعلًا عسكريًا منفصلًا عن المسار السياسي، وإنما أداة ضغط إسرائيلية لإعادة هندسة الاتفاق بما يخدم أجندة الاحتلال ويمنحه ما عجز عن انتزاعه على طاولة التفاوض.
وقال شاهين لـ"الرسالة نت: "إن المعطيات تشير إلى أن واشنطن تضغط باتجاه تحريك المرحلة الثانية، بينما تواصل حكومة نتنياهو وضع الشروط والعراقيل والتمسك بمنطق نزع سلاح المقاومة قبل الانسحاب، في محاولة لقلب ترتيب الالتزامات وتحويل الاتفاق من مسار لإنهاء الحرب إلى آلية لإدامة السيطرة الإسرائيلية.
ومن زاوية أخرى، أوضح شاهين أن المسألة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى صميم البقاء السياسي لنتنياهو، فالرجل يخوض معركة داخلية مع اليمين الصهيوني الأكثر تطرفًا، الذي ينظر إلى أي انسحاب من غزة أو أي تسوية سياسية باعتبارها تراجعًا عن مشروع الحسم العسكري.
وأكد أن نتنياهو يتعامل مع غزة باعتبارها ورقة انتخابية مفتوحة، ويضع اعتبارات بقائه السياسي وتماسك ائتلافه فوق أي اعتبار آخر، حتى لو كان الثمن مزيدًا من الدم الفلسطيني ومزيدًا من الخراب والتهجير.
وفي هذا السياق، قال شاهين إن نتنياهو لا يبدو معنيًا باتفاق ينهي الحرب بقدر ما يريد اتفاقًا يشرعن نتائج الحرب، ويحول السيطرة العسكرية إلى نفوذ أمني طويل الأمد، ويمنح إسرائيل مكاسب استراتيجية دون دفع استحقاقات الانسحاب الكامل.
وأوضح أن المماطلة ليست عرضًا جانبيًا للأزمة، وإنما جزء من استراتيجية سياسية محسوبة.
وعلى النقيض من ذلك، أكد شاهين أن استمرار الفصائل الفلسطينية في التعامل مع مسار الاتفاق يضع الاحتلال أمام استحقاقه الحقيقي، ويكشف أن التعطيل لا يصدر عن الجانب الفلسطيني، وإنما عن حكومة إسرائيلية تحاول ابتزاز المسار السياسي بالقوة العسكرية.
وبناء على ذلك، قال شاهين إن المسؤولية السياسية عن تعطيل الاتفاق تقع بصورة أساسية على حكومة نتنياهو، التي تساوم على مستقبل غزة ومستقبل شعبها خدمة لمستقبلها الانتخابي.
وأكد أن الضغط الأمريكي، إن بقي في حدود المناشدات الدبلوماسية، فلن يكون كافيًا، إذ إن المطلوب ممارسة نفوذ حقيقي على نتنياهو وإلزام حكومته بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، لأن تركه يماطل يعني منحه تفويضًا مفتوحًا للاستمرار في المقامرة بالدم الفلسطيني من أجل إنقاذ مستقبله السياسي ومستقبل اليمين الصهيوني.