أعاد قرار المصادقة على النظام الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني، وتحديد الأول من تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعدًا لإجراء الانتخابات، ملف إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني إلى واجهة النقاش. وبموجب النظام المعتمد، يتشكل المجلس من 350 عضوًا، منهم 200 يمثلون الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية و150 يمثلون الفلسطينيين في الخارج والشتات، وفق نظام التمثيل النسبي الكامل.
ويأتي هذا الاستحقاق في سياق سياسي بالغ التعقيد، مع استمرار الحرب في قطاع غزة، وتصاعد الاستيطان والاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، واستمرار الانقسام الفلسطيني، إلى جانب حالة الجمود والترهل والهيمنة التي تعاني منها مؤسسات منظمة التحرير. وبينما ينظر إلى الانتخابات باعتبارها فرصة لتجديد شرعية المجلس الوطني وإعادة تفعيل مؤسسات المنظمة، تبرز في المقابل مخاوف من تحولها إلى أداة لإعادة إنتاج موازين القوى القائمة وترسيخ هيمنة حركة فتح على مؤسسات القرار الفلسطيني.
أزمة الشرعية
يمثل تجديد شرعية مؤسسات منظمة التحرير حاجة سياسية ملحة، خصوصًا في ظل طول الفترة التي مضت منذ آخر عملية انتخابية شاملة، وتغير الواقع الفلسطيني ديموغرافيًا وسياسيًا، وظهور قوى وتيارات جديدة خارج البنية التقليدية للمنظمة.
ومن شأن انتخابات شاملة وتوافقية أن تفتح المجال أمام إعادة بناء التمثيل الفلسطيني، وإدخال قوى سياسية ومجتمعية جديدة إلى مؤسسات صنع القرار، وتعزيز قدرة المنظمة على استعادة دورها باعتبارها الإطار الوطني الجامع للفلسطينيين في الداخل والخارج.
غير أن جوهر الخلاف لا يتعلق بمبدأ الانتخابات، وإنما بطريقة إطلاقها وإدارتها. فغياب التوافق الوطني المسبق حول قانون الانتخابات، وآليات التمثيل، وتوزيع المقاعد، وطبيعة المشاركة، يثير شكوكًا بشأن إمكانية استخدام الاستحقاق الانتخابي لإعادة ترتيب مؤسسات المنظمة وفق موازين القوة القائمة بدل إعادة بنائها على قاعدة الشراكة.
وتزداد هذه المخاوف في ضوء الانتقادات الموجهة إلى النهج السياسي والمؤسسي للقيادة الفلسطينية خلال السنوات الماضية، بما في ذلك إدارة الانتخابات السابقة وقرارات إعادة تشكيل بعض مؤسسات النظام السياسي. ومن هذا المنظور، يُنظر إلى الانتخابات لدى القوى الفلسطينية على أنها قد تكون محاولة للحصول على شرعية انتخابية جديدة دون معالجة جوهر أزمة النظام السياسي والانقسام الداخلي.
غزة والقدس والشتات: اختبار صعب للانتخابات
تواجه العملية الانتخابية عقبات ميدانية قد تجعل تنفيذها في موعدها تحديًا بالغ الصعوبة.
ففي قطاع غزة، تفرض الحرب والأوضاع الإنسانية الكارثية قيودًا هائلة على أي نشاط انتخابي، بينما يظل الانقسام السياسي والمؤسسي عاملًا إضافيًا يعقّد تنظيم الاقتراع وضمان مشاركة السكان.
وفي القدس المحتلة، تمثل سياسات الاحتلال عائقًا رئيسيًا أمام النشاط السياسي والانتخابي الفلسطيني، مع احتمال فرض قيود على المشاركة أو تحديد شكلها بما لا يضمن تمثيلًا فلسطينيًا كاملًا.
أما في الشتات، فتتعدد التحديات بين القيود القانونية في بعض الدول المضيفة، وصعوبة الحصول على موافقات لإجراء انتخابات فلسطينية على أراضيها، وعدم وجود سجلات انتخابية دقيقة، فضلًا عن الحاجة إلى ترتيبات لوجستية واسعة ومعقدة.
فالانتخابات في الخارج تحتاج إلى تنسيق مع الدول المضيفة والجاليات الفلسطينية، وإنشاء سجلات انتخابية دقيقة، وتحديد آليات التسجيل والاقتراع، وتوفير الرقابة المستقلة، فضلًا عن معالجة خصوصية القدس وقطاع غزة.
وبالتالي، فإن تحديد موعد الانتخابات لا يعني بالضرورة توافر الشروط السياسية والميدانية اللازمة لتنفيذها بصورة شاملة ومتزامنة.
من جانب آخر فإن الترتيبات التي تجري خلف الكواليس وتسابق الانتخابات تكشف عن مساعي من حركة فتح إلى تكريس الهيمنة على الوطني عبر التعيين، وذلك بعد اصدار قرار، بهدف إلى القانون الانتخابي حيث التعديل يتناول المواد 4 و53 و56 من النظام الأصلي لانتخابات المجلس الوطني. وفي المادة الرابعة المعدلة، يُحدَّد عدد أعضاء المجلس الوطني بـ350 مقعدًا، توزع على النحو الآتي: 132 مقعدًا للأراضي الفلسطينية يشغلها أعضاء المجلس التشريعي المنتخبون، و67 مقعدًا يُشغلها أعضاء من الأراضي الفلسطينية تختارهم اللجنة التنفيذية بعد إجراء المشاورات اللازمة والتوافق عليهم، مع إبقاء 150 مقعدًا لمناطق الشتات، يتم شغلها عبر "الانتخابات.
وبحسب القرار المسرب يُعدّ الرئيس المنتخب، وفقًا لأحكام قانون الانتخابات العامة النافذ، عضوًا حكمًا في المجلس الوطني. وبحسب التقديرات، فإن هذه الفقرة تأتي لإتاحة إمكانية الجمع بين رئاسة السلطة الفلسطينية ورئاسة اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ووفق حساب عدد أعضاء المجلس التشريعي (132)، وأعضاء الشتات (150)، والأعضاء الذين سيُختارون من الأراضي الفلسطينية (67)، يُضاف إليهم مقعد واحد لرئيس السلطة في المجلس الوطني، ليصبح الإجمالي 68 عضوًا من الأراضي الفلسطينية.
وبحسب التسريبات فإن حركة فتح بدأت بالفعل ترتيب إجراء اختيار الاعضاء 68 الذين سيجري تعيينهم، بالتواطؤ مع فصائل المنظمة من بينها الجبهة الديمقراطية التي تنخرط في النقاشات الجارية، وفي ظل استمرار تجاهل عقد اجتماع الامناء العامون للفصائل للتشاور والتوافق قبيل الانتخابات.
وبشأن اختيار أعضاء المجلس الوطني من الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن القائمة النهائية تعتمدها اللجنة التنفيذية، وينطبق ذلك على "الأعضاء الحكميين والأعضاء المنتخبين أو المختارين"، ما يجعل اعتماد القائمة المنتخبة، حتى في الانتخابات التشريعية، مرهونًا بموافقة اللجنة التنفيذية ما يعني تكريس هيمنة فتح على المنظمة.
وشملت التعديلات أيضًا المادة 53 من النظام، إذ أصبحت تنص على: "يدعو الرئيس المجلس الوطني إلى الانعقاد خلال أسبوعين من تاريخ اعتماد الكشف النهائي لأعضائه، المنتخبين أو المختارين وفق أحكام هذا النظام والأعضاء الحكميين، ويفتتح الرئيس دورة المجلس الوطني الأولى بإلقاء بيان افتتاحي". وبالمقارنة مع المادة في النظام السابق، فإن ما حُذف منها هو جملة: "أو المختارين ممثلين لمناطق الشتات"، إذ حُذفت هذه الجزئية، وأُبقيت كلمة "المختارين"، ولا يبدو التعديل جوهريًا، إذ يسعى فقط إلى تجاوز تثبيت نقطة "الاختيار" في الشتات، كما هو متوقع، خاصة أن نص القانون يتيح ذلك.
وفي ضوء التعديلات القانونية، سيكون بإمكان أي عضو من الأعضاء الـ68 في المجلس الوطني الترشح لرئاسة السلطة الفلسطينية ورئاسة منظمة التحرير الفلسطينية، أي إن عضوًا في المجلس الوطني يستطيع الترشح لرئاستَي السلطة والمنظمة في الوقت ذاته، وذلك لأن التعديل ينص على أن أعضاء "الوطني" الـ68 سيكونون من داخل الأراضي الفلسطينية.