☰
✕

قائمة الموقع

إجراء الانتخابات.. استحقاق مؤجل وسط غياب التوافق الوطني

2026-08-17T15:51:00+03:00
الرسالة نت - خاص

في وقت تواجه فيه القضية الفلسطينية واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً، يثار مجدداً ملف الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقرر إجراؤها في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، وسط تشكيك سياسي وأكاديمي في إمكانية إجرائها في موعدها، في ظل استمرار الانقسام الفلسطيني، وغياب التوافق الوطني، والتطورات الميدانية والسياسية المتسارعة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.
ويرى الخبير في الشأن السياسي عدنان الصباح أن الانتخابات لا ينبغي أن تكون نقطة البداية لمعالجة الأزمة الفلسطينية، بل نتيجة لاتفاق وطني شامل يسبقها، موضحاً أن أي انتخابات جادة تحتاج إلى موقف وطني موحد ينتج رؤية متكاملة تجاه مختلف قضايا الشعب الفلسطيني، ثم تأتي الانتخابات باعتبارها أداة لتنفيذ هذه الرؤية وبناء مؤسسات سياسية حقيقية قادرة على حمايتها.
ويقول الصباح في حديثه لـ "الرسالة نت"، إن الذهاب إلى الانتخابات ببرامج ومشاريع سياسية مختلفة سيعيد إنتاج الخلافات القائمة، مشدداً على أن الأولوية يجب أن تكون للاتفاق أولاً، ثم استخدام الانتخابات كأداة لترجمة هذا الاتفاق إلى مؤسسات. 
ويحذر من أن استمرار القرار الفوقي في إدارة العملية السياسية لن يقود إلى بناء مؤسسات فلسطينية متكاملة، لأن الأزمة الفلسطينية، أوسع من أن تنتهي بمجرد إجراء انتخابات.
ويشكك الصباح في جدية إجراء الانتخابات أصلاً، قائلاً إنه لا يعتقد أنها ستجري في موعدها، وإن عدم إجرائها سيكرس واقعاً سياسياً أكثر تعقيداً، في مقدمة ذلك الانتقال إلى مرحلة جديدة من دون اتفاق وطني، فضلاً عن تكريس كتل انتخابية وتجاذبات سياسية من دون الوصول إلى صناديق الاقتراع، بما قد يعيد إلى الأذهان تجربة إلغاء الانتخابات عام 2021.
ويحذر من أن تكرار سيناريو إلغاء الانتخابات سيكون أكثر خطورة هذه المرة، نظراً إلى الظروف التي تمر بها القضية الفلسطينية، معتبراً أن أي صدمة سياسية جديدة يمكن أن تؤدي إلى مزيد من الإحباط والانقسامات داخل المجتمع الفلسطيني.
ويضيف الصباح أن المطلوب في المرحلة الحالية هو توحيد الرؤية الوطنية قبل البحث عن أدوات تنفيذها، مشيراً إلى أن الحالة الفلسطينية لا تزال غير مستقرة، وأن التوافق الوطني غير قائم، فيما يغيب الحوار الشامل، وتتعدد المشاريع السياسية في وقت تواجه فيه القضية الفلسطينية هجمة واسعة تستهدف الشعب والأرض.
ويتساءل عن إمكانية إجراء انتخابات فعلية في ظل الأوضاع الراهنة في غزة والضفة الغربية والقدس، قائلاً إن طرح الانتخابات في هذه الظروف قد يحوّلها إلى "شماعة" ينشغل بها الفلسطينيون عن ملفات أكثر خطورة، بدلاً من أن تكون مدخلاً حقيقياً لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني.
ويرى أن الأولوية يجب أن تكون للقضية الوطنية وتسليحها بأدوات سياسية ومؤسساتية قادرة على مواجهة التحديات، وهو ما يتطلب، حواراً وطنياً شاملاً يفضي إلى رؤية مشتركة، قبل الانتقال إلى الاستحقاق الانتخابي.
ويحذر الصباح من أن إلغاء الانتخابات مجدداً سيشكل إحباطاً كبيراً للشعب الفلسطيني، وقد يؤدي إلى انقسامات جديدة، وربما إلى تعميق الانقسام على المستوى الشعبي، معتبراً أن الذهاب إلى الانتخابات من دون رؤية وطنية موحدة يمثل خطراً على القضية الفلسطينية في هذه المرحلة.
من جهته، لا يتوقع أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، د. رائد نعيرات، إجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مرجحاً تأجيلها في ضوء المعطيات السياسية والميدانية الحالية.
ويقول نعيرات لـ "الرسالة نت"، إن إجراء الانتخابات في نوفمبر لا يجد، منطقياً، ما يبرره سواء على الصعيد الداخلي الفلسطيني أو في ظل القضايا الإقليمية المحيطة، معتبراً أن الظروف الحالية تجعل من إجراء الانتخابات استحقاقاً محدود الجدوى، وقد لا يحظى بالتأييد السياسي والشعبي الكافي بما يسمح له باحتلال مكانة مؤثرة في الحياة السياسية الفلسطينية.
ويشير إلى أن الاستثنائيات التي تمر بها الساحة الفلسطينية والمنطقة تدفع باتجاه تأجيل الانتخابات، متسائلاً عن كيفية تنظيمها في قطاع غزة، وكذلك في الضفة الغربية، في ظل استمرار الاجتياحات الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين وتقطيع أوصال الطرق والحواجز والإجراءات العسكرية.
ويعتبر نعيرات أن هذه الظروف تجعل إجراء الانتخابات "مغامرة كبيرة"، خصوصاً أن البيئة السياسية والأمنية الحالية لا توفر الظروف اللازمة لتنظيم عملية انتخابية طبيعية، كما أنها لا تبدو أولوية بالنسبة إلى الشارع الفلسطيني أو النخب والقوى السياسية.
وبحسب نعيرات، فإن القوى الوطنية الفلسطينية والنخب السياسية والشارع نفسه لا يتعاملون مع الانتخابات باعتبارها الأولوية الأولى في المرحلة الحالية، في ظل وجود ملفات أكثر إلحاحاً تحتاج إلى معالجة قبل التوجه إلى صناديق الاقتراع، وفي مقدمتها تحقيق الوحدة الوطنية وتوحيد الموقف السياسي الفلسطيني.
ويؤكد أن الطريق المنطقي نحو الانتخابات يبدأ أولاً بتوحيد الموقف الفلسطيني وإنهاء حالة الانقسام، ومن ثم الانتقال إلى انتخابات تستند إلى توافق وطني واسع، بحيث تكون نتائجها قادرة على إنتاج مؤسسات تحظى بالشرعية السياسية والشعبية.
وتتقاطع مواقف الصباح ونعيرات عند نقطة أساسية تتمثل في أن الانتخابات، بصيغتها الحالية، لا تبدو قادرة على معالجة الأزمة الفلسطينية، بل قد تتحول إلى عامل جديد لإنتاج الخلافات إذا لم تسبقها عملية سياسية وطنية تعيد ترتيب الأولويات وتوحيد الموقف الفلسطيني.

اخبار ذات صلة