في تقوع، شرق بيت لحم، لم تكن عائلة الطفل الفلسطيني محمد حميد، البالغ من العمر 15 عامًا ونصف العام، تستقبل ابنها كما يعود الأسرى من المعتقلات؛ فقد عادت إليها ساقه قبل أن يعود هو، محمولة من المستشفى الإسرائيلي إلى البلدة، لتُدفن في تراب مسقط رأسه.
ساق طفل فلسطيني أُصيب قبل اعتقاله، ثم دخل سجون الاحتلال في فبراير/شباط 2026، لتتدهور حالته الصحية خلال فترة احتجازه، ويدخل في غيبوبة، قبل أن يُنقل إلى مستشفى «شعار تسيدك» الإسرائيلي، حيث بُترت قدمه.
وبحسب ما نقلته العائلة، فإنها لم تُبلّغ مباشرة بما جرى لنجلها، بل علمت بعملية البتر عبر منظمة «أطباء بلا حدود».
وهكذا، وجدت الأسرة نفسها أمام مشهد يفوق قدرة الكلمات على وصفه: طفل في الخامسة عشرة، اعتُقل وهو مصاب، يفقد ساقه داخل مستشفى إسرائيلي، بينما عائلته لا تعرف ما الذي يجري لجسده.
لم تكن ساق محمد هي التي ضاعت وحدها؛ بل ضاعت معها أسئلة عن المسؤولية والمحاسبة.
يقول مكتب إعلام الأسرى إن محمد اعتُقل وهو يعاني من إصابة، وإن وضعه الصحي تدهور خلال فترة احتجازه، قبل أن يصل إلى مرحلة الغيبوبة. وفي النهاية، كان القرار الطبي هو بتر قدمه.
لكن بالنسبة إلى عائلته، لا يمكن النظر إلى البتر باعتباره مجرد نتيجة طبية معزولة عن ظروف الاعتقال؛ فمحمد لم يدخل المستشفى في ظروف علاج طبي اعتيادية، بل وصل إليه بعد تدهور حالته الصحية وهو أسير لدى الاحتلال.
ومن هنا، تتحول قصة محمد إلى واحدة من أكثر الصور قسوة لما يمكن أن يواجهه الأطفال الفلسطينيون في الأسر: طفل يُنتزع من بلدته وهو مصاب، يُحرم من أن يكون إلى جوار عائلته، تتدهور صحته في الاحتجاز، ثم يفقد جزءًا من جسده.
وفي تقوع، حمل ذوو محمد ساقه ودفنوها.
لم يدفنوا ابنهم؛ دفنوا الجزء الذي اقتُطع من جسده تحت وطأة الاعتقال وتداعياته.
كان عليهم أن يختاروا مكانًا في أرض البلدة لجزء من طفل ما زال حيًا، وكأن الاحتلال لم يكتفِ بحرمان محمد من طفولته وحريته، بل ترك أثره على جسده أيضًا.
في تقوع، دُفنت ساق محمد، لكن الجريمة لم تُدفن معها.
فالقبر الذي احتضن ساق الطفل لا يغلق الحكاية؛ بل يفتح سؤالًا عن مسؤولية الاحتلال عن ظروف اعتقاله، وعن الرعاية الطبية التي تلقاها، وعن الأسباب التي أوصلت حالته إلى الغيبوبة ثم إلى بتر أحد أطرافه.
طفل دخل الأسر مصابًا، فانتهى به الأمر مبتور الساق.
وتبقى عائلته تنتظر الإجابات التي لا يمكن أن يعوضها شيء: لماذا تدهورت حالة محمد؟ ماذا جرى له أثناء احتجازه؟ وهل كان يمكن إنقاذ ساقه لو حصل على الرعاية الطبية اللازمة في الوقت المناسب؟
أسئلة ستظل معلقة فوق تراب تقوع، حيث يرقد جزء من جسد طفل فلسطيني، شاهدًا على ثمن يدفعه الفلسطينيون حتى بأجساد أطفالهم تحت الاحتلال.
ساق الأسير محمد حميد.. جريمة احتلال تُضاف إلى جسد طفل فلسطيني
الرسالة نت - خاص