قائمة الموقع

مقال: غزة.. إعمار مؤجل وترميم مستنزف

2026-08-16T11:32:00+03:00
أحمد أبو قمر

تحولت أعمال الترميم في قطاع غزة مجرد استجابة سريعة للأضرار إلى نشاط اقتصادي مكلف يكشف عمق الأزمة التي يواجهها القطاع. فحين تتجاوز تكلفة بعض أعمال الترميم ثمانية أضعاف مستويات ما قبل الحرب، يصبح السؤال الاقتصادي أكثر إلحاحا، هل تنفق الموارد المحدودة على إبقاء الخدمات الأساسية قيد التشغيل أم توجّه منذ البداية إلى إعادة بناء أكثر استدامة؟
المشكلة لا تكمن في ارتفاع أسعار مواد البناء وحدها وإنما في انهيار البيئة الاقتصادية المحيطة بعملية الترميم، من شح المواد الخام وارتفاع أسعار الوقود وصعوبة تشغيل الآليات وتضرر الطرق وسلاسل الإمداد، كلها عوامل ترفع تكلفة المشروع قبل أن يبدأ.
ولذلك فإن إنشاء بئر غاطس، كان يكلف أقل من ثلاثة آلاف دولار قبل الحرب، قد يحتاج اليوم إلى نحو 15 ألف دولار أو أكثر.
المفارقة أن هذه الكلفة المرتفعة قد تأتي مع الاعتماد على مواد مستعملة ومعاد تأهيلها أي أن ارتفاع الإنفاق لا يعني بالضرورة تحسنا موازيا في الجودة.
وتمثل هذه المعادلة هدرا مزدوجا للموارد، فكل دولار ينفق على حل مؤقت مرتفع الكلفة قد يكون ضروريا لإنقاذ خدمة أساسية اليوم، لكنه في الوقت نفسه يقلل الموارد المتاحة للاستثمار في بنية تحتية قادرة على الصمود غدا.
وهنا تكمن خطورة تحول "التعافي المبكر" إلى نموذج دائم بدلا من أن يكون جسرا نحو الإعمار،
لكن البديل ليس وقف الترميم فهذا غير واقعي في ظل الحاجة إلى المياه والطاقة والصرف الصحي وإزالة الركام.
المطلوب هو تغيير طريقة إدارة هذه المرحلة، بحيث تربط مشاريع الإصلاح العاجلة بخطة إعادة إعمار طويلة الأجل وتعطى الأولوية للمشاريع التي يمكن تطويرها لاحقا بدلا من إعادة تنفيذها بالكامل.
كما أن التمويل وحده لن يحل المشكلة، فتح قنوات إدخال المواد الخام وإعادة تشغيل المصانع المحلية ودعم المقاولين والمهندسين وإشراك القطاع الخاص، كلها أدوات اقتصادية تخفض الكلفة وتعيد بناء القدرة الإنتاجية المحلية.
إن التحدي الحقيقي أمام غزة ليس فقط حجم فاتورة الإعمار وإنما كفاءة إنفاقها، فالإعمار الناجح يقاس بقدرة كل دولار مستثمر على تحويل الحل المؤقت إلى أصل منتج ومستدام. وإذا لم يحدث ذلك فقد تجد غزة نفسها تدفع كلفة الإعمار مرة وكلفة الترميم المؤقت مرات.

اخبار ذات صلة