قائمة الموقع

أزمة الزيوت وقطع الغيار في غزة.. شلل يهدد الصحة والمياه والنقل والخدمات

2026-08-16T00:05:00+03:00
الرسالة نت - خاص

لا تقتصر أزمة نقص الإمدادات في قطاع غزة على الغذاء والدواء والوقود، بل تمتد إلى مواد تبدو أقل حضورًا في المشهد الإنساني، لكنها تمثل شريانًا أساسيًا لبقاء الخدمات الحيوية، وفي مقدمتها الزيوت حدوقطع الغيار اللازمة لتشغيل المولدات والمركبات والآليات.

وتحذر جهات صحية وبلدية وحقوقية من أن استمرار منع أو تقييد إدخال هذه المواد يهدد بدفع قطاعات أساسية نحو مزيد من التعطل، في وقت تعتمد فيه معظم المرافق الحيوية على مولدات الكهرباء والمركبات والآليات للعمل في ظل الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية.

وحذرت جمعية الإغاثة الطبية الفلسطينية من توقف خدماتها ومرافقها الصحية، جراء النقص الحاد في الزيوت وقطع الغيار الخاصة بالمولدات والمركبات، مؤكدة أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى تعطل الأجهزة والمعدات الطبية في عدد من المراكز والعيادات.

وقالت الجمعية إن نقص زيوت المركبات وقطع الغيار يهدد كذلك بتوقف العيادات الطبية المتنقلة، وهو ما قد يحرم آلاف النازحين والسكان في المناطق التي يصعب الوصول منها إلى المرافق الصحية من خدمات طبية أساسية.

ويأتي ذلك بالتزامن مع إعلان وزارة الصحة في غزة خروج 22 محطة أكسجين عن الخدمة، وتحذيرها من تعطل المحطات الـ12 المتبقية، نتيجة استنزاف طاقتها التشغيلية ونقص قطع الغيار اللازمة لصيانتها.

ولا تتوقف تداعيات الأزمة عند القطاع الصحي؛ إذ حذرت بلدية غزة من أن استمرار النقص الحاد في الزيوت الصناعية ومواد الصيانة يهدد بخروج عدد كبير من آلياتها عن الخدمة، ولا سيما المركبات والمعدات المستخدمة في الصرف الصحي والاستجابة للحالات الطارئة.

وأوضحت البلدية أن نقص الزيوت تسبب بالفعل في تعطل عدد من الآليات، فيما تعرضت محركات أخرى لأضرار نتيجة غياب مواد الصيانة الأساسية، الأمر الذي يحد من قدرة الطواقم الميدانية على التعامل مع الأعطال وتسربات المياه ومشكلات شبكات الصرف الصحي والاستجابة السريعة لبلاغات المواطنين.

وتكتسب هذه المخاوف بعدًا صحيًا وبيئيًا بالغ الخطورة، إذ إن توقف مضخات الصرف الصحي والمركبات والآليات المخصصة للتعامل مع الأعطال قد يؤدي إلى تفاقم تسرب مياه الصرف وتجمعها، بما يرفع مخاطر التلوث وانتشار الأمراض في بيئة تعاني أصلًا من انهيار واسع في منظومة المياه والصرف الصحي.

المياه أمام خطر الانهيار

وفي السياق ذاته، حذرت مصلحة مياه بلديات الساحل من أن استمرار النقص الحاد في زيوت التشحيم وقطع الغيار يضع منظومة المياه والصرف الصحي في القطاع أمام "خطر الانهيار التدريجي".

وقالت المصلحة إن الآبار ومحطات التحلية ومحطات ضخ المياه العادمة تعمل منذ انقطاع التيار الكهربائي الكامل في أكتوبر/تشرين الأول 2023 بالاعتماد على مولدات الكهرباء، التي تعرضت خلال هذه الفترة لتشغيل مكثف يفوق طاقتها، في ظل غياب الصيانة الدورية الكافية.

وبذلك أصبحت الزيوت وقطع الغيار ليست مجرد مستلزمات فنية، بل جزءًا من سلسلة الإمداد التي يتوقف عليها استمرار وصول المياه والتعامل مع مياه الصرف الصحي وتشغيل المنشآت الحيوية.

فكل مولد يتوقف، وكل مضخة تتعطل، وكل مركبة تخرج من الخدمة، يضيّق مساحة الخدمات المتاحة للسكان، ويجعل الاستجابة للأعطال والطوارئ أكثر صعوبة وكلفة.

النقل.. الحلقة الأضعف 

وتضرب الأزمة كذلك قطاع النقل والشحن، الذي يمثل حلقة أساسية في إيصال الغذاء والدواء والوقود والمساعدات إلى السكان.

وبحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، فقد دخلت منظومة النقل والشحن في غزة حالة من الشلل الواسع بفعل تدمير المركبات ومنظومة التخزين واستهداف السائقين ومنع إدخال قطع الغيار والإطارات والزيوت والبطاريات.

ونقل المرصد عن رئيس جمعية النقل الخاص في قطاع غزة، ناهض شحيبر، أن القطاع كان يمتلك قبل الحرب نحو 1200 شاحنة تغطي احتياجات السكان من الأغذية والأدوية والوقود والأعلاف ومواد البناء وغيرها.

لكن نحو 400 شاحنة فقط نجت من القصف والتدمير، تعطلت منها قرابة 100 شاحنة بسبب منع إدخال مستلزمات الصيانة، ليبقى نحو 300 شاحنة قابلة للعمل، أي ما يعادل 25% فقط من حجم الأسطول السابق.

ومع ندرة قطع الغيار، لجأ العاملون إلى تفكيك الشاحنات المعطلة واستخدام أجزائها لإبقاء شاحنات أخرى قيد التشغيل، في صورة تعكس حجم الاستنزاف الذي أصاب قطاع النقل.

وتفاقمت كلفة التشغيل بصورة غير مسبوقة؛ إذ ارتفعت كلفة تغيير زيت الشاحنة الواحدة، وفق المرصد، من نحو 450 شيكلًا قبل الحرب إلى قرابة 100 ألف شيكل حاليًا، بينما وصل سعر كيلوغرام الزيت عند توفره إلى نحو 1100 دولار.

وهذه الأرقام لا تعكس أزمة في النقل وحده، وإنما تهدد سلسلة الإمداد بأكملها؛ فالمساعدات التي تعبر المعابر لا تضمن بالضرورة قدرتها على الوصول إلى وجهتها إذا لم تتوفر الشاحنات والمركبات والوقود وقطع الغيار اللازمة لتحريكها وتوزيعها.

أزمة تتجاوز المولدات

وحذرت منظمة أطباء بلا حدود في 12 أغسطس/آب من استمرار تقييد إدخال زيوت المحركات وقطع الغيار اللازمة لتشغيل مولدات المستشفيات وسيارات الإسعاف ومرافق حيوية أخرى، معتبرة أن ذلك يعرض حياة آلاف الأشخاص للخطر.

كما قال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا" إن معبر كرم أبو سالم لا يزال المعبر الوحيد العامل لإدخال البضائع إلى قطاع غزة، مع استمرار القيود على إدخال عدد من المعدات والإمدادات الضرورية.

وتشير أحدث بيانات منظمة الصحة العالمية، المنشورة في 11 أغسطس/آب والمستندة إلى معلومات حتى نهاية يوليو/تموز، إلى استمرار فجوات كبيرة في توفر الموارد والخدمات الصحية في مرافق القطاع.

في غزة، لم تعد قطعة الغيار مجرد جزء من محرك، ولا الزيت مجرد مادة صيانة؛ فكلاهما أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة باستمرار عمل المستشفى، وسيارة الإسعاف، ومضخة المياه، وآلية الصرف الصحي، والشاحنة التي تنقل المساعدات.

ومع تراجع القدرة التشغيلية للمولدات والمركبات والآليات، تتحول الأعطال الصغيرة إلى أزمات أكبر، فيما تصبح عملية الإصلاح نفسها شبه مستحيلة عندما لا تتوفر القطعة المطلوبة أو الزيت اللازم لتشغيل المحرك.

وتحذر الجهات الصحية والخدمية من أن استمرار هذا الوضع قد يدفع قطاعات حيوية إلى مزيد من التوقف، بما ينعكس مباشرة على حياة السكان، في وقت ما تزال فيه غزة تواجه آثار الدمار الواسع الذي أصاب بنيتها التحتية وخدماتها الأساسية.

اخبار ذات صلة