تشكل بلدة قُصرة، الواقعة جنوب شرق نابلس، واحدة من أبرز نقاط الاشتباك الجغرافي مع المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الغربية؛ فموقعها المرتفع وامتداد أراضيها الزراعية يجعلانها حلقة أساسية تحول دون استكمال حزام استيطاني يسعى إلى وصل السهل الساحلي بعمق الضفة وصولًا إلى غور الأردن.
ولا تتجاوز مساحة قُصرة نحو 9 كيلومترات مربعة، لكنها تتمتع بموقع جغرافي بالغ الأهمية، إذ ترتفع بين 750 و850 مترًا عن سطح البحر، فيما تصل بعض قممها المحيطة إلى نحو 920 مترًا. ويمنحها هذا الارتفاع موقعًا إشرافيًا على غور الأردن شرقًا، وعلى شبكة واسعة من القرى والبلدات الفلسطينية في الاتجاهات الأخرى.
وتحيط بالبلدة منظومة واسعة من المستوطنات والبؤر الاستيطانية التي تتوسع على حساب أراضيها. ففي الشمال الشرقي تقع مستوطنة "مجدوليم"، التي تستولي على آلاف الدونمات من الأراضي الزراعية التابعة للبلدة، بينما تنتشر في تلالها الجنوبية والجنوبية الشرقية بؤر استيطانية توصف بأنها شديدة التطرف، أبرزها "إيش كوديش"، التي تشكل، وفق معطيات التقرير، نقطة انطلاق لهجمات متكررة على الفلسطينيين، إلى جانب بؤرتي "أحيا" و"كيدا".
وترتبط هذه البؤر جغرافيًا بكتلة مستوطنات "شيلو الكبرى"، التي تضم مستوطنة "شيلو المركزية" ومستوطنات أخرى بينها "عيلي" و"معاليه ليبونا" و"شفوت راحيل"، ضمن شبكة استيطانية تمتد في وسط الضفة الغربية باتجاه المستوطنات المقامة في عمق غور الأردن.
حصار السكان وفرض أمر واقع
وخلال الأسابيع الأخيرة، تصاعدت الهجمات على قُصرة بصورة لافتة، مع دخول مجموعات من المستوطنين إلى أطراف البلدة واعتدائهم على السكان، فضلًا عن نصب خيام وبؤر رعوية بمحاذاة المنازل وفي ساحاتها.
ولم تتوقف الاعتداءات عند مهاجمة السكان والممتلكات، إذ وثقت حالات حاصر فيها المستوطنون منازل فلسطينية وقطعوا عنها المياه والكهرباء، ما أدى إلى احتجاز عائلات داخل بيوتها وحرمانها من الاحتياجات الأساسية.
وتشير المعطيات إلى أن الاعتداءات لا تستهدف قُصرة وحدها، بل تمتد إلى قرى وبلدات فلسطينية مجاورة في محيط نابلس، بينها مادما وجالود وتلفيت وبيتا وبورين، في نمط متكرر من الهجمات التي يُنظر إليها باعتبارها جزءًا من مسار أوسع للسيطرة على الأرض ودفع السكان إلى الرحيل.
لماذا قُصرة مهمة؟
تكمن أهمية قُصرة، وفق التقرير، في موقعها الذي يجعلها بمثابة حاجز جغرافي أمام اتصال الكتل الاستيطانية في وسط الضفة بالمستوطنات الإسرائيلية المنتشرة شرقًا في منطقة الأغوار.
فبقاء السكان في قُصرة والقرى المحيطة بها، مثل جالود ودوما والمغير، يحول دون اكتمال ممر استيطاني عرضي يمتد من مناطق وسط الضفة باتجاه غور الأردن.
ويحمل تنفيذ هذا المخطط تداعيات تتجاوز السيطرة على أراضٍ محددة، إذ من شأنه، بحسب التقرير، تقطيع أوصال الضفة الغربية وفصل شمالها عن جنوبها، بما يقوض إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا.
ومن هنا، تتحول قُصرة إلى أكثر من مجرد بلدة تتعرض لهجمات المستوطنين؛ فهي تقع في قلب صراع على الجغرافيا ومستقبل الضفة الغربية، حيث يصبح بقاء السكان في أراضيهم عاملًا حاسمًا في مواجهة تمدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية.
وتشير المعطيات إلى أن الهجمات على قُصرة تأتي ضمن نطاق جغرافي أوسع، إذ تتنقل اعتداءات المستوطنين بين البلدات والقرى الفلسطينية المحيطة بنابلس، في محاولة لخلق واقع ميداني جديد يسهل السيطرة على الأراضي الزراعية وفرض البؤر الاستيطانية وتوسيع نطاق المستوطنات القائمة.
الاستيطان يتوسع
وتكشف أرقام هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية حجم التوسع الاستيطاني خلال السنوات الأخيرة، إذ أقام المستوطنون نحو 200 بؤرة استيطانية خلال ألف يوم منذ بدء حرب الإبادة على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وفي ظل هذا التوسع، تبدو قُصرة والقرى المحيطة بها أمام معركة مفتوحة للحفاظ على الأرض والوجود الفلسطيني، في وقت تتزايد فيه محاولات فرض البؤر الاستيطانية وتغيير ملامح المنطقة.
وبحسب التقرير، فإن المعركة في قُصرة لا تدور فقط حول منزل أو أرض زراعية أو بؤرة استيطانية، بل حول من يملك القدرة على رسم خريطة الضفة الغربية مستقبلًا؛ فاستمرار الوجود الفلسطيني في هذه المنطقة يبقي فجوة جغرافية تعرقل اكتمال الحزام الاستيطاني الذي تسعى إسرائيل إلى مدّه عبر الضفة وصولًا إلى الأغوار.
لذلك، تبدو قُصرة اليوم في موقع متقدم من الصراع على الأرض، حيث تتقاطع الجغرافيا مع الاستيطان، ويتحول تمسك الأهالي بأراضيهم إلى خط دفاع أساسي أمام مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الخريطة الفلسطينية وقطع التواصل بين مناطقها.