قال الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في واشنطن، أسامة أبو ارشيد، إن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يناور في ملف الحرب على قطاع غزة والانسحاب منه في سياق انتخابي، في ظل ضغوط كبيرة يتعرض لها من داخل ائتلافه اليميني المتطرف، الذي يرفض أي انسحاب إسرائيلي من القطاع، بل يطالب بتوسيع ما يسمى "الخط الأصفر" وفرض السيطرة الإسرائيلية الكاملة على غزة، إلى جانب استمرار الرهان على تهجير الفلسطينيين.
وأوضح أبو ارشيد في حوار خاص مع موقع "الرسالة نت"، أن نتنياهو "محكوم" في موقفه باليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي يمارس ضغوطًا كبيرة عليه، إلى جانب خضوعه لرؤية أيديولوجية فاشية، تقوم على التطهير العرقي والتخلص من الفلسطينيين بأي طريقة، سواء من خلال جرائم الإبادة الجماعية المباشرة أو عبر دفع السكان إلى التهجير.
وأشار إلى أن فكرة التهجير لا تزال حاضرة في الخطاب الإسرائيلي، لافتًا إلى أن نتنياهو ووزراء في حكومته يعودون في كل مرة إلى طرح خيارات وأماكن يمكن نقل الفلسطينيين إليها، ومنها "أرض الصومال" وغيرها من الخيارات التي جرى تداولها.
وأضاف أبو ارشيد أن هناك بعدًا انتخابيًا أساسيًا في حسابات نتنياهو، يتمثل في عدم تمكنه من تحقيق نصر عسكري حاسم في قطاع غزة، رغم ارتكاب جيش الاحتلال جرائم إبادة واسعة خلال الحرب. وقال إن "إسرائيل" لم تتمكن من سحق المقاومة الفلسطينية أو تدميرها، كما لم تنجح في نزع سلاحها بالقوة أو إنهاء الأنفاق وتدميرها بصورة كاملة، فيما لا يزال السلاح حاضرًا لدى فصائل المقاومة.
وبحسب أبو ارشيد، فإن نتنياهو يسعى إلى الحفاظ على صورة "النصر" أمام الناخب الإسرائيلي، خصوصًا في ظل استطلاعات رأي تظهر أنه يواجه صعوبات كبيرة في الحفاظ على أغلبية أو تشكيل الحكومة المقبلة، وهو ما يثير مخاوفه وفزعه، لا سيما أنه يواجه أيضًا اتهامات قضائية بالفساد.
وبيّن أن نتنياهو يدرك أن خصومه السياسيين ينتظرون سقوطه أو سقوط حكومته للانقضاض عليه سياسيًا، وربما الانتقام منه في حال خروجه من رئاسة الوزراء، ولذلك فإن من مصلحته إبقاء ملف الحرب مفتوحًا، والحفاظ على صورة مفادها أن المعركة لم تنتهِ وأن أهدافها، وفي مقدمتها نزع سلاح فصائل المقاومة وتدمير قدراتها، لا تزال قيد التنفيذ.
وقال أبو ارشيد إن نتنياهو يحاول إبقاء الأمور في حالة من الغموض، بحيث تستمر الحرب ولكن بوتيرة مختلفة عما كانت عليه خلال المراحل السابقة، موضحًا أن "حرب الإبادة تمارس بالقطارة أو ببطء"، من خلال استمرار عمليات الاستهداف والقتل والتجويع بحق الفلسطينيين.
وأضاف أن هذا النهج يحقق لنتنياهو هدفين؛ الأول إبقاء قاعدته اليمينية متحفزة وإقناعها بأنه لم يستسلم وأن الحرب لا تزال مستمرة، والثاني حرمان خصومه السياسيين من ورقة يمكن استخدامها ضده، باعتبار أنه فشل في تحقيق أهداف الحرب.
ولفت الباحث إلى أن حسابات نتنياهو لا تقتصر على قطاع غزة، بل تشمل أيضًا ما يجري على جبهتي لبنان وإيران، موضحًا أن رئيس حكومة الاحتلال لم يحقق ما أراده في إيران، ولم يتمكن من إسقاط النظام الإيراني، بينما لا تزال طهران تفاوض من موقع قوة.
الموقف الأمريكي
وفيما يتعلق بالموقف الأميركي، قال أبو ارشيد إن الإدارة الأميركية تبدو مدركة لطبيعة تصريحات نتنياهو، مشيرًا إلى تصريحات صادرة عن البيت الأبيض تفيد بأن واشنطن ترى في مواقف رئيس حكومة الاحتلال جزءًا من مناورة انتخابية.
وأوضح أن التقدير السائد في البيت الأبيض هو أن نتنياهو سيمضي في تطبيق بنود الخطة، وإن كان ذلك بصورة مترددة وبطيئة، وربما عبر المماطلة والتلاعب، لكنه سيواصل العمل ضمن الإطار العام للاتفاق.
وأضاف أن واشنطن تبدو مستعدة للتسامح مع تصريحات نتنياهو ما دام لا يعطل عمليًا تنفيذ الخطة، مشيرًا إلى أن الجانب الأميركي يستند في ذلك إلى مؤشرات ميدانية إسرائيلية، من بينها الحديث عن انسحاب فرقة عسكرية إسرائيلية من قطاع غزة، مع بقاء فرقة "غزة" فقط وعدم تعويضها بفرقة أخرى.
وبحسب أبو ارشيد، فإن هذه التطورات تُفسَّر أميركيًا على أنها مؤشر على أن تصريحات نتنياهو لا تتطابق بالضرورة مع الوقائع الميدانية التي يعمل وفقها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة.
لكن الباحث حذر من أن المشهد قد يتغير إذا ثبت أن نتنياهو يريد بالفعل تعطيل ملف الانسحاب، موضحًا أن الاتفاق يقوم أساسًا على مبدأ التبادل والتتابع؛ أي حصر وتخزين سلاح الفصائل تحت إدارة فلسطينية، بالتوازي مع انسحاب إسرائيلي من القطاع.
وأكد أن الطرح الإسرائيلي القائم على المطالبة بنزع السلاح بشكل كامل، واستسلام المقاومة بالكامل، وتفكيكها وتدمير الأنفاق بصورة كاملة، ثم النظر بعد ذلك في مسألة الانسحاب، "غير مقبول"، لأنه لا يتطابق مع ما نصت عليه بنود الخطة.
وأشار إلى أن الاتفاق الذي جرى دعمه أميركيًا وبدعم مباشر من الرئيس دونالد ترامب، وكذلك من الجهات الداعمة للخطة، يقوم على أن يكون هناك حصر وتخزين للسلاح تحت إدارة فلسطينية، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي مباشر، وليس اشتراط نزع السلاح بالكامل قبل الانسحاب.
وفيما يتعلق بالدور المطلوب من الوسطاء، دعا أبو ارشيد إلى أن يكون موقفهم أكثر قوة، وأن يمارسوا ضغوطًا على الجانب الأميركي لدفع "إسرائيل" إلى الالتزام بالاتفاق، إلى جانب العمل على بناء موقف عربي وإسلامي متماسك يتحدث مع الولايات المتحدة بلغة واحدة.
السيناريوهات القادمة
وحول السيناريو المتوقع خلال الأيام المقبلة، قال أبو ارشيد إن من الصعب وضع تصور دقيق لما ستؤول إليه التطورات، لكنه يرجح ممارسة ضغوط أميركية على "إسرائيل"، يترافق معها نوع من التجاوب الإسرائيلي.
وأوضح أن السيناريو المحتمل يتمثل في أن تضغط الولايات المتحدة على "إسرائيل"، فتطلب الأخيرة بدورها تقديم تنازلات من المقاومة، ثم تنتقل الضغوط الأميركية إلى الوسطاء والفلسطينيين بهدف الوصول إلى صيغة ترضي نتنياهو.