ثمة مآسٍ أخرى خلفتها حرب الإبادة، ولكنها أقل ظهورًا، لكنها لا تقل قسوة؛ عائلات فرّقتها الحروب، وأزواج باتوا في بلدان مختلفة، وأمهات وجدن أنفسهن يحملن مسؤولية أطفالهن وحدهن، بعدما أغلقت الحرب كل الطرق التي يمكن أن تجمعهم بمن يحبون.
أسيل أبو عميرة، سيدة فلسطينية تبلغ من العمر 30 عامًا وأم لطفلين، واحدة من هؤلاء النساء اللواتي علّقتهن الحروب بين مكانين ومأساتين.
قبل اندلاع الحرب في قطاع غزة، كانت أسيل تعيش مع زوجها، ابن عمها، الذي يقيم في السودان. تزوجا قبل نحو خمس سنواتمن اندلاع حرب غزة، وبدأا حياتهما بعيدًا عن غزة، قبل أن تندلع الحرب في السودان، وتتبدل تفاصيل حياتهما بصورة مفاجئة.
تقول أسيل إن الحياة هناك بدأت تضيق يومًا بعد يوم؛ الخبز والطحين أصبحا نادرين، الأسواق احترقت أمام عينيها، والنقود اختفت من أيدي الناس، وبدأ شبح المجاعة يقترب من الجميع.
وسط ذلك الخوف، اقترح زوجها أن تعود إلى قطاع غزة مع طفليهما، على أمل أن تقضي بعض الوقت بين أهلها إلى أن تهدأ الأوضاع في السودان، ثم تعود إليه.
لم تكن الرحلة سهلة. قطعت أسيل الطريق عبر الصحراء وهي تحمل طفلين؛ أحدهما لم يكن قد تجاوز ستة أشهر، والآخر لم يتجاوز عامين ونصف العام. كانت رحلة محفوفة بالمخاطر، في منطقة تشتعل فيها الحرب، ولا سيما بالنسبة للنساء والأطفال.
وصلت أسيل إلى قطاع غزة في أبريل/نيسان 2023، وهي تظن أن وجودها بين أهلها سيكون محطة مؤقتة، وأنها ستعود إلى زوجها بعد أن تهدأ الحرب في السودان.
لكنها لم تكن تعرف أن حربًا أخرى، أكثر قسوة، كانت تنتظرها.
بعد أشهر قليلة، اندلعت الحرب على قطاع غزة، وتحولت الإقامة المؤقتة إلى سنوات من النزوح والجوع والخوف.
تقول أسيل: «عانيت في السودان من عدم وجود الخبز والطحين، ومن احتراق الأسواق أمامي، ورأيت اختفاء النقود من أيدي الناس. كل هذه المآسي عشتها مرة أخرى في قطاع غزة، ولكن بصورة أصعب بكثير».
وتضيف: «حرب غزة لا تشبهها أي مأساة على وجه الأرض، لكن الشيء الوحيد الذي كان يهون عليّ أنني كنت بين أهلي».
غير أن وجودها بين أهلها لم يخفف ثقل المسؤولية. فقد وجدت أسيل نفسها، مع استمرار الحرب، أمًا لطفلين يكبران بعيدًا عن والدهما.
الطفل الذي وصل إلى غزة وهو في شهره السادس، أصبح اليوم أكبر سنًا، والطفلة الصغيرة التي كانت في عمر عامين ونصف العام تفتحت ملامح طفولتها بعيدًا عن أبيها، فيما ظل الأب يتابع أبناءه من مكان بعيد، عاجزًا عن احتضانهم أو مشاركتهم تفاصيل نموهم وحياتهم اليومية.
تقول أسيل إن أكثر ما يؤلمها ليس فقط الجوع والنزوح والخوف، وإنما أن يكبر أطفالها دون أبيهم.
«كل ما أريده أن يلمّ شملنا مع زوجي، وأن يتحمل معي مسؤولية طفلين. عشت خلال هذه السنوات الثلاث مأساة متكاملة؛ بين النزوح والتشرد والجوع والخوف».
منذ اندلاع الحرب في غزة، عاشت أسيل مع أسرتها في شمال القطاع، وتنقلت من مكان إلى آخر هربًا من القصف، وعاشت ظروف النزوح القاسية، كما عاشت موجات المجاعة التي ضربت القطاع.
لكن وسط كل ذلك، بقيت هناك أمنية واحدة لا تفارقها: أن تنتهي حالة التشتت التي فرضتها الحرب على عائلتها.
تقول: «عشت كل ظروف الحرب مع أهلي في شمال قطاع غزة. عشنا المجاعتين، وعشنا مرارة النزوح والتنقل من مكان إلى آخر هربًا من طائرات الاحتلال. متى ستحل هذه القضية؟».
لا تطلب أسيل الكثير. لا تبحث عن بيت كبير ولا حياة مترفة؛ تريد فقط أن تخرج إلى زوجها، وأن يلتقي أفراد عائلتها في مكان آمن، «أي مكان كان».
فبالنسبة إليها، لم تعد المسافة بين غزة والسودان مجرد حدود تفصل بين بلدين، بل أصبحت سنوات من الغياب تفصل أبًا عن طفليه، وزوجة عن زوجها، وأطفالًا عن حقهم البسيط في أن يكبروا إلى جوار والدهم.
وترى أسيل أن استمرار هذا التشرذم الذي أصاب العائلات الفلسطينية بفعل الحرب يمثل ظلمًا آخر لا يُرى في صور الدمار.
«هذا الذي يحدث، وهذا التشرذم بين العائلات في قطاع غزة بسبب هذه الحرب، ظلم كبير».
وفي غزة أكثر من 58,600 أسرة في غزة تقودها نساء، أي نحو 14% من إجمالي الأسر، وفق تقديرات هيئة الأمم المتحدة للمرأة. كما تشير الهيئة إلى أن أسرة واحدة من كل سبع أسر أصبحت تقودها امرأة، بينما تعرضت غالبية النساء للنزوح مرات متكررة خلال الحرب.
لكن خلف هذه الأرقام الكبيرة توجد حكايات لا تظهر في الجداول والإحصاءات؛ أمهات يحملن أطفالهن وحدهن، وآباء يشاهدون أبناءهم يكبرون من خلف الحدود، وأطفال تتغير ملامح طفولتهم بينما يبقى أحد والديهم غائبًا عن حياتهم.
وبينما تُحصي المنظمات أعداد النازحين والأطفال المنفصلين والأسر التي تقودها النساء، يبقى رقم آخر مجهولًا: كم عائلة فلسطينية ما زالت تنتظر أن تجمعها الحرب من جديد؟
فمأساة أسيل ليست فقط أنها عاشت حربين؛ مأساة أخرى أن الحرب الأولى دفعتها إلى المكان الذي كانت تظنه ملاذًا، قبل أن تتحول غزة نفسها إلى حرب ثانية، وأن تصبح المسافة بينها وبين زوجها سنوات كاملة من الانتظار.
أسيل أبو عميرة.. أم فلسطينية عالقة بين حربين، تنتظر أن تجمعها الحياة بزوجها
الرسالة نت - متابعة خاصة