قائمة الموقع

التعليم :"نشرف على 71 وحدة تعليمية تستوعب 35 ألف طالب رغم ركام الحرب"

2026-08-10T15:40:00+03:00
الرسالة نت - خاص

من بين ركام المدارس المدمرة، والخيام التي تحولت إلى فصول دراسية، وشح الإمكانات، تحاول العملية التعليمية في شمال غزة استعادة شكلها الطبيعي، بعد ثلاث سنوات من الحرب والنزوح والاضطراب الذي أصاب مختلف مفاصل الحياة التعليمية.
ويقول مدير تربية وتعليم شمال غزة، جواد صالحة، إن المديرية قطعت خلال الأشهر الماضية خطوات وصفها بأنها "إنجازات معجزة في زمن قياسي"، في محاولة لإعادة آلاف الطلبة إلى مقاعد الدراسة، وتنظيم عشرات الوحدات التعليمية التي نشأت خلال الحرب بصورة طارئة.
71 وحدة تعليمية و35 ألف طالب
وأوضح صالحة أن عودة سكان شمال غزة بدأت تدريجياً منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وكانت بطيئة في بدايتها، نظراً لمحدودية المناطق التي كان يُسمح للسكان بالعودة إليها، إذ لم تتجاوز المساحة المسموح بالعودة إليها نحو 30% من جغرافيا شمال القطاع.
ومع عودة السكان، بدأت العملية التعليمية تتوسع تدريجياً، إلى أن وصل عدد الوحدات التعليمية المنتشرة حالياً في المناطق المسموح بالوجود فيها إلى 71 وحدة تعليمية.
وتضم هذه الوحدات 18 مدرسة حكومية مكفولة من منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، إلى جانب خمس مدارس خاصة، فضلاً عن مراكز تعليمية ونقاط مجتمعية ورياض أطفال تحولت خلال فترة الحرب، بفعل الضرورة، إلى مساحات لتدريس طلبة في مراحل التعليم الأساسي.
ويبلغ عدد الطلبة الذين يتلقون التعليم في هذه الوحدات وفق صالحة نحو 35 ألف طالب وطالبة، بينهم قرابة 22 ألفاً في المدارس الحكومية المكفولة من اليونيسف، فيما يتوزع الباقون على المدارس الخاصة والمراكز والنقاط التعليمية الأخرى.
كما أتيح التعليم التمهيدي للأطفال في عدد من المواقع، في ظل صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي تجعل قدرة الأسر على تحمل تكاليف رياض الأطفال محدودة.
من العشوائية إلى الترخيص
ويشير صالحة إلى أن طبيعة الظروف خلال الحرب فرضت إنشاء وحدات تعليمية بصورة عاجلة، دون إمكانية الالتزام بالمعايير المعتادة للمدارس.
ويقول إن بعض الغرف والمنازل تحولت إلى نقاط تعليمية، فيما جرى اعتماد مساحات مختلفة لتأمين الحد الأدنى من التعليم للطلبة، خصوصاً في المناطق القريبة من خطوط التماس، حيث تعذر على المؤسسات الدولية العمل.
لكن الوزارة بدأت حالياً مرحلة جديدة تقوم على إعادة تنظيم المشهد التعليمي وترخيص الوحدات القائمة وفق معايير محددة.
وبحسب صالحة، فقد شكلت وزارة التربية والتعليم لجاناً مركزية وأخرى في المديريات، مهمتها زيارة مختلف النقاط التعليمية وتقييم أوضاعها، تمهيداً لتحديد صفتها القانونية والتعليمية.
ومن المقرر أن ينتهي هذا المسار مع بداية العام الدراسي، بحيث يتم تصنيف كل وحدة تعليمية باعتبارها مدرسة حكومية، أو مدرسة خاصة، أو مركزاً تعليمياً، أو روضة أطفال، وفقاً للمعايير المعتمدة.
ويؤكد أن الهدف ليس زيادة عدد الوحدات التعليمية بقدر ما هو تحسين الموجود وإنهاء حالة العشوائية التي فرضتها ظروف الحرب.
165 ألف طالب خارج التعليم
ولا تقتصر مهمة وزارة التربية والتعليم على إعادة تنظيم المدارس، بل تواجه تحدياً أكبر يتمثل في إعادة عشرات آلاف الطلبة الذين انقطعوا عن التعليم خلال الحرب.
ويذكر صالحة  أن نحو 165 ألف طالب وطالبة على مستوى قطاع غزة كانوا خارج مقاعد الدراسة، قبل أن تتراجع الأعداد إلى نحو 160 ألفاً أو أقل نتيجة الجهود المبذولة لإعادتهم إلى التعليم.
ويقول إن الوزارة عملت على التواصل مع هؤلاء الطلبة وأسرهم، وإتاحة برامج تعليمية صيفية واستدراكية لتعويض ما فاتهم من عام أو عامين دراسيين، إلى جانب فتح باب التسجيل وقوائم الانتظار أمام الراغبين في العودة إلى التعليم.
ويضع صالحة إعادة هؤلاء الطلبة إلى مقاعد الدراسة على رأس أولويات الوزارة، معتبراً أن استعادة الحق في التعليم تمثل أحد أهم ملفات مرحلة ما بعد الحرب.
***شهران لتعويض الفاقد التعليمي
ولمواجهة الفاقد التعليمي المتراكم، اتخذت الوزارة مجموعة من الإجراءات، أبرزها إطلاق التعليم الصيفي لمدة شهرين، بهدف منح الطلبة فرصة لتعويض جزء من المهارات والمعارف التي فقدوها خلال سنوات الحرب.
كما جرى إدخال حصص إرشادية وتربوية ورياضية إلى الجدول الدراسي، بهدف تعزيز ارتباط الطلبة بالمدرسة وتشجيعهم على الانتظام في التعليم الوجاهي، إلى جانب تطبيق نموذج "التعليم المسرّع" بصورة تجريبية لاستهداف الطلبة الذين تراكمت لديهم فجوات تعليمية في السنوات السابقة.
ويستهدف التعليم المسرّع، وفق صالحة، معالجة ما فُقد من مهارات أساسية لدى الطلبة، على أن يجري تقييم التجربة تمهيداً لتوسيعها لتشمل مدارس ومناطق أخرى.
هل تعود الدراسة إلى دوامها الكامل؟
ومع استمرار نظام الدوام الجزئي في بعض المدارس، حيث تتناوب مجموعات الطلبة على الحضور، تعمل وزارة التربية والتعليم على دراسة آليات لاستيعاب أعداد أكبر من الطلبة، بما في ذلك الاستفادة من كامل الكادر التعليمي المتاح.
ويشير صالحة إلى أن بعض المدارس تعمل حالياً بنظام ثلاثة أيام للذكور وثلاثة أيام للإناث، وهو نظام فرضته محدودية المساحات وأعداد الطلبة.
وتدرس الوزارة، وفق قوله، إمكانية الاستفادة من المعلمين في تخصصات مختلفة غير المواد الأياسية، إلى جانب توظيف التعليم عن بُعد في بعض المجالات، بما يسمح بتوسيع القدرة الاستيعابية دون تحميل المدارس فوق طاقتها.
خمس مدارس جديدة 
وفي شمال غزة، يجري العمل على تجهيز مدارس جديدة تحسباً لعودة أعداد إضافية من السكان والطلبة إلى مناطقهم.
ويكشف صالحة أن خمس مدارس جرى تجهيزها أو العمل على استكمال تجهيزها، بهدف إدخالها الخدمة مع بداية العام الدراسي، بما يتيح استيعاب أكثر من 20 ألف طالب وطالبة في حال عودة أعداد كبيرة من سكان شمال القطاع.
وتتوزع هذه المشاريع في مناطق عدة، بينها جباليا البلد، والنزلة، وبيت لاهيا، ومناطق أخرى في شمال غزة.
ومن بين المشاريع مدرسة في منطقة جباليا البلد، وأخرى في منطقة النزلة، فيما جرى تجهيز مدرسة "تل الربيع" في بيت لاهيا بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إلى جانب مدرسة أبو جعفر منصور التي تضم مبنيين تعليميين.
وتستخدم بعض هذه المدارس حالياً ضمن برنامج التعليم الصيفي، فيما ستتيح طاقتها الاستيعابية توسيع قدرة المديرية على استقبال الطلبة خلال العام الدراسي المقبل.
مدارس مدمرة وخيام ساخنة
لكن الطريق نحو تعليم وجاهي مستقر لا يزال محفوفاً بعقبات كبيرة.
ويضع صالحة تدمير المباني المدرسية في مقدمة التحديات، مشيراً إلى وجود عدد كبير من المدارس التي تعرضت للدمار أو الأضرار، بينها مبانٍ تقع في مناطق قريبة من خطوط التماس.
كما تمثل الدراسة داخل الخيام تحدياً آخر، رغم كونها الخيار المتاح في الظروف الحالية.
ويقول إن الخيام لا توفر البيئة التعليمية الملائمة، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة صيفاً وبرودة الطقس خلال الشتاء، فضلاً عن محدودية المساحات التي تجعل أعداداً كبيرة من الطلبة داخل الخيمة الواحدة أمراً مرهقاً للطلاب والمعلمين على حد سواء.
مخاطر أمنية تلاحق الطلبة
ولا تقتصر المخاطر على البيئة التعليمية، إذ لا يزال إطلاق النار يشكل تهديداً للطلبة والمعلمين، خصوصاً في شمال القطاع.
ويشير صالحة إلى أن إطلاق النار العشوائي أدى إلى استشهاد الطالبة ريتاج  أثناء وجودها في غرفة تعليمية بمدرسة أبو عبيدة، إضافة إلى تسجيل إصابات خلال حركة الطلبة ذهاباً وإياباً من المدارس.
كما أن المناطق الملاصقة لخطوط التماس تواجه صعوبة إضافية في الحصول على دعم المؤسسات الدولية، وهو ما يترك بعض التجمعات السكانية والمدارس بحاجة إلى إمكانات أكبر لتأمين استمرار العملية التعليمية.
مدارس ما زالت تؤوي النازحين
ومن التحديات التي تعرقل عودة التعليم الوجاهي أيضاً استمرار وجود نازحين داخل عدد من المدارس.
ويقول صالحة إن نحو ثماني مدارس قائمة في المناطق المسموح بالعودة إليها ما زالت بحاجة إلى صيانة أو تفريغها من النازحين، حتى يتمكن الطلبة من العودة إلى غرف صفية أكثر أمناً واستقراراً.
ويرى أن إعادة تأهيل هذه المدارس وإخلاءها من النازحين يمثلان خطوة ضرورية للانتقال من التعليم الطارئ إلى التعليم الوجاهي المنظم.
نقص المقاعد والمياه والكتب
ولا تزال البنية الأساسية للعملية التعليمية تعاني من نقص حاد.
ويشير صالحة إلى أن أكثر من 70% من المدارس في شمال غزة لا تتوفر فيها مقاعد دراسية كافية، ما يضطر الطلبة إلى الدراسة والكتابة على الأرض أو على فرشات، وهي ظروف تزداد صعوبة في الشتاء بسبب المياه والرطوبة، وفي الصيف بفعل ارتفاع الحرارة.
كما تمثل المياه تحدياً أساسياً، سواء مياه الشرب أو المياه اللازمة للنظافة، في ظل محدودية خزانات المياه والبنية التحتية.
أما المواد التعليمية، فتأتي في مقدمة الاحتياجات، إذ لا تتوفر حالياً حزمة تعليمية متكاملة لكل طالب، بينما لا تكفي القرطاسية المتاحة لتغطية الاحتياجات طوال العام الدراسي.
ويطالب صالحة بأن تتضمن الحقيبة المدرسية المقدمة من اليونسيف عدداً كافياً من الدفاتر والأقلام، إلى جانب حزمة تعليمية تحتوي على المنهاج والمواد اللازمة للطالب.
550 موظفاً فقط من أصل 2700
ويكشف مدير تربية وتعليم شمال غزة أن الدعم الحالي لا يغطي سوى جزء محدود من الكادر البشري.
فمن أصل نحو 2700 موظف بين معلمين وإداريين وغيرهم في شمال غزة، لا يتجاوز عدد العاملين ضمن المدارس المكفولة من اليونيسف نحو 550 موظفاً.
وهذا يعني أن آلاف الموظفين لا يزالون خارج نطاق العمل الفعلي، ولا سيما العاملين في تخصصات لا يتم تدريسها حالياً، إضافة إلى الكوادر الإدارية والسكرتارية.
ويقول صالحة إن الوزارة تستفيد حالياً من خمسة تخصصات أساسية، فيما تبقى نحو 13 تخصصاً تعليمياً خارج الاستخدام أو مستخدمة بصورة محدودة جداً، من بينها التربية الإسلامية والتاريخ والجغرافيا والاجتماعيات والفنون والفيزياء والكيمياء والأحياء.
ويرى أن إيجاد آلية لاستثمار هذه الطاقات البشرية يمثل تحدياً مهماً، خصوصاً مع الحاجة إلى استيعاب المزيد من الطلبة.
معلمون في دائرة الضغط 
ولا يقتصر الضغط على الطلبة، إذ يواجه المعلمون أنفسهم ظروفاً قاسية للوصول إلى المدارس.
وينوه صالحة إلى عدم توفر وسائل نقل مريحة ومنتظمة للعديد من المعلمين، ما يضطر بعضهم إلى السير لمسافات تصل إلى عدة كيلومترات للوصول إلى المدرسة، قبل أن يبدأ يومه التدريسي في بيئة تفتقر في كثير من الأحيان إلى التهوية والمراوح والمقاعد والإمكانات الأساسية.
ومع وصول نصاب بعض المعلمين إلى 24 حصة أسبوعية، تصبح الظروف اللوجستية والبيئية عبئاً إضافياً على الكادر التعليمي، الذي يواصل أداء مهمته رغم محدودية الإمكانات.
ويؤكد صالحة أن احتياجات العملية التعليمية في شمال غزة لا تتوقف عند إعادة بناء المدارس، بل تشمل توفير بيئة متكاملة تسمح للطالب بالتعلم والاستقرار النفسي والاجتماعي.
ويشير إلى الحاجة إلى ألعاب ووسائل تعليمية تساعد على معالجة الفاقد النفسي والقيمي لدى الطلبة، فضلاً عن توفير محفزات غذائية طوال العام الدراسي، في ظل معاناة الأطفال من سوء التغذية والضعف والأمراض المرتبطة بظروف الحرب.
ويقول إن الدعم يجب أن يشمل كذلك المياه، والمقاعد، والقرطاسية، والحقائب التعليمية، ووسائل النقل للمعلمين، وتوسيع نطاق المدارس المكفولة، بما يسمح بالوصول إلى المناطق الأكثر احتياجاً.
رغم الركام.. المدرسة تستعيد مكانها
ورغم كل هذه التحديات، يرى مدير تربية وتعليم شمال غزة أن المشهد التعليمي يتجه تدريجياً نحو مزيد من الاستقرار.
فوجود 71 وحدة تعليمية واستفادة نحو 35 ألف طالب منها، إلى جانب تجهيز مدارس جديدة قادرة على استقبال عشرات آلاف الطلبة، يمثل، وفق تقديره، خطوة مهمة في طريق إعادة بناء التعليم في شمال غزة.
لكن نجاح هذه الجهود، في النهاية، لا يعتمد على أعداد المدارس وحدها، بل على القدرة على توفير بيئة آمنة ومجهزة، وإعادة المعلمين إلى تخصصاتهم، وتوفير المواد التعليمية والمياه والمقاعد، وضمان وصول الطلبة إلى مدارسهم دون خوف.
وفي شمال غزة، حيث لا تزال آثار الحرب حاضرة في كل تفاصيل الحياة، تبدو عودة الطالب إلى مقعده الدراسي أكثر من مجرد استئناف للعام الدراسي؛ إنها محاولة لاستعادة جزء من الحياة التي تعطلت، وفتح نافذة أمل لجيل دفع ثمناً باهظاً من حقه في التعليم.

اخبار ذات صلة