كان اسمه يتردد بين شفاه أمه كل ليلة، دون أن تعرف إن كانت تدعو لحيّ أم تنعى ميتًا. عامان كاملان عاشتهما عائلة إيهاب محمد عبد القادر دياب معلّقة بين الرجاء واليأس، تحرس هاتفها وتترقب كل خبر، بينما كان ابنها – كما تبيّن لاحقًا – قد رحل منذ زمن بعيد، في زنزانة لم تُخبر أحدًا بما جرى فيها.
هذا ليس مجرد خبر عن وفاة أسير. هذا اعتراف متأخر بجريمة اكتملت قبل أن يُعلن عنها بعامين.
في 12 ديسمبر/كانون الأول 2023، وبعد أكثر من شهرين على حرب الإبادة التي تشنّها( إسرائيل) على غزة، ابتلعت آلة الاحتلال إيهاب، الشاب ابن الـ36 عامًا. لم تكن هناك محاكمة تُعلن، ولا تهمة تُوضّح، ولا حتى إشارة تطمئن أهله بأنه ما يزال بينهم. مجرد اسم يُقتلع من بيته، ويُبتلع في منظومة اعتقال إسرائيلية لا تعترف لا بالقانون ولا بحق الإنسان في أن يُعرف مصيره.
هكذا هي سياسة الاحتلال منذ عقود: الإخفاء القسري كسلاح، والصمت كأداة تعذيب إضافية تُمارَس على العائلات، لا تقل قسوة عمّا يُمارَس خلف القضبان.
بعد قرابة عامين من الانتظار المرّ، جاء الرد أخيرًا من إدارة سجون الاحتلال: إيهاب استُشهد. لكن أي رد هذا الذي يخبرك بموت ابنك بعد سنتين من رحيله الفعلي؟ فقد رجّحت هيئة شؤون الأسرى أن يكون استشهاده وقع في 18 سبتمبر/أيلول 2024، أي بعد تسعة أشهر فقط من اعتقاله. تسعة أشهر كانت كافية لتقتله آلة القمع الإسرائيلية، وعامان إضافيان انقضيا قبل أن تتكرم سلطات الاحتلال بالاعتراف.
هذا ليس تقصيرًا إداريًا، بل نهج ممنهج تعرفه عائلات آلاف الأسرى الفلسطينيين: الإخفاء، ثم التسويف، ثم الإعلان حين يشاء الجلاد، لا حين يستحق الضحية وأهله معرفة الحقيقة.
وحين حاولت سلطات الاحتلال، كعادتها، أن تُلبس جريمتها ثوب "الحالة الصحية"، زاعمةً أن إيهاب كان يعاني من مرض، وقفت عائلته بكل حزم لتفضح هذا الادعاء: كان ابنهم بصحة جيدة، لا يشكو من شيء، حين اعتُقل. رواية جاهزة تتكرر مع كل أسير يُقتل في الزنازين، محاولةً غسل يد الجلاد من دم الضحية.
تؤكد مؤسسات الأسرى أن إيهاب تعرّض للتعذيب والتنكيل خلال فترة اعتقاله، في سياق نمط ممنهج تمارسه سلطات الاحتلال بحق آلاف المعتقلين الفلسطينيين، وبخاصة أبناء غزة، الذين اعتُقلوا في ظل الحرب وسط ظروف وصفتها المؤسسات الحقوقية بالوحشية: تعذيب، إهمال طبي متعمد، حرمان من أبسط حقوق الإنسان.
هذه قصة تتكرر بأسماء مختلفة وحالات متشابهة. فقد حمّلت وزارة الأسرى والمحررين في غزة سلطات الاحتلال المسؤولية الكاملة عن استشهاد إيهاب، مطالبة بتحقيق دولي مستقل يفضح ما جرى، وبتسليم جثمانه لعائلته التي تستحق، على الأقل، أن تودّع ابنها كما يليق بإنسان لا كما يُلقى به رقمًا في سجل الجلاد.
في أرشيف الصحافة الفلسطينية، يظهر اسم "إيهاب أبو دياب" كصحفي شاب واكب نبض غزة، خصوصًا في الشأن الرياضي، ونشر عشرات التقارير عبر وكالة "سوا". في عام 2016، حصد المركز الثاني في مسابقة "أمواج" للإعلام الرياضي، عن تقرير أنساني حكى قصة لاعب فلسطيني على كرسي متحرك رفض المال والجنسية الألمانية ثمنًا للتخلي عن فلسطين – قصة لا تخلو من مفارقة مؤلمة، إذ يبدو أن إيهاب نفسه سار على النهج ذاته: الثبات على الأرض رغم كل الثمن.
وفي فبراير/شباط 2024، بعد أشهر من اندلاع الحرب، كتب باسم "إيهاب أبو دياب"، مراسلًا لشبكة "راية"، عن أطفال غزة الذين سرقت الحرب طفولتهم وأجبرتهم على العمل في الشوارع. من ينقل معاناة الأطفال، صار هو ذاته ضحية لنفس الآلة التي كان يوثّق جرائمها.
بوفاة إيهاب، يرتفع عدد الأسرى الفلسطينيين الذين استُشهدوا داخل سجون الاحتلال منذ عام 1967 إلى 328 أسيرًا. ومنذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحده، استُشهد 91 أسيرًا، بينهم 53 من أبناء غزة – أي أن أكثر من النصف في هذه الفترة هم من أبناء القطاع الذي تُباد أرضه وأهله معًا.
إيهاب لم يكن رقمًا. كان ابنًا، وكان صوتًا حاول أن يروي حكاية غزة للعالم، قبل أن تُسكته الزنازين وتُسكت معه الحقيقة – إلى أن تكلّمت متأخرة، كعادتها دائمًا حين يتعلق الأمر بجرائم الاحتلال.