قائمة الموقع

إيباك أمام اختبار جديد .. كيف غيرت حرب غزة قواعد اللعبة الانتخابية في أميركا؟

2026-08-09T18:20:00+03:00
الرسالة نت - خاص

برزت نتائج الانتخابات التمهيدية   لمجلس الشيوخ في ولاية ميشيغان بوصفها واحدة من أوضح ساحات التحول الجاري في الولايات المتحدة،. فالمنافسة بين عبد الرحمن السيد وهيلي ستيفنز لم تكن مجرد مواجهة بين مرشح تقدمي وآخر وسطي، وإنما تحولت إلى اختبار لعدة قضايا متشابكة أبرزها موقف الديمقراطيين من الحرب على غزة، وحدود الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل، ونفوذ جماعات الضغط، ودور المال السياسي، وقدرة المؤسسة الحزبية على فرض خياراتها على الناخبين. 
فلم تعد الانتخابات الأمريكية تُخاض فقط حول الاقتصاد والضرائب والهجرة والصحة، بل باتت السياسة الخارجية، وبخاصة العلاقة مع إسرائيل والحرب في غزة، تدخل بصورة متزايدة إلى صميم الحسابات الانتخابية للمرشحين والناخبين.

وتكشف التطورات الأخيرة داخل الحزب الديمقراطي عن تغير لافت في الطريقة التي تُناقش بها إسرائيل في الحملات الانتخابية، وعن اتساع المسافة بين قطاعات من القاعدة الديمقراطية وبين المواقف التقليدية لقيادة الحزب.
وتكشف نتائج الانتخابات في ميشغيان عن عدة متغييرات في الولايات المتحدة أهمها:

أولا:ميشيغان.. أبعد  من  انتخابات تمهيدية
وجاء فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية في ميشيغان بفارق ضئيل لكنه حمل دلالات سياسية أكبر من حجم الفارق نفسه. فقد حصل السيد، على نحو 48.5% من الأصوات مقابل 47.5% لهيلي ستيفنز، ليحجز ترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في مواجهة الجمهوري مايك روجرز في انتخابات نوفمبر..

أهمية النتيجة لا ترتبط فقط بهوية الفائز، وإنما بطبيعة المعركة التي خاضها. فقد واجه السيد مرشحة تحظى بدعم من المؤسسة الديمقراطية التقليدية، إضافة إلى دعم مالي كبير من جماعات مؤيدة لإسرائيل، في مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية أيباك وحلفاؤها.

ثانيا: غزة تدخل في  حساب الناخب  الأمريكي
على مدى عقود، كان دعم إسرائيل في السياسة الأمريكية قضية ذات حساسية خاصة، وغالباً ما كان يحظى بدرجة واسعة من التوافق داخل الحزبين الرئيسيين إلا أن الحرب على غزة دفعت هذا الملف إلى موقع أكثر حضوراً في النقاش الانتخابي، خصوصاً بين الشباب والتقدميين والناخبين العرب والمسلمين.

وقد استفاد السيد من هذا التحول في بناء حملته، واضعاً الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل ضمن إطار اقتصادي وأخلاقي يتصل مباشرة بحياة المواطن الأمريكي.

فالرسالة لم تعد، في خطابه، مقتصرة على السؤال عن طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، بل أصبحت: كم تنفق الولايات المتحدة في الخارج، وما الذي يمكن أن يفعله هذا المال داخل البلاد؟

وهذه النقلة في الخطاب مهمة انتخابياً؛ لأنها تنقل إسرائيل من كونها قضية تتعلق بالسياسة الخارجية وحدها إلى قضية يمكن ربطها بالسكن والرعاية الصحية والضرائب والدخل والإنفاق الحكومي.

بهذا المعنى، أصبحت الحرب في غزة جزءاً من نقاش أوسع حول أولويات الحكومة الأمريكية، وحول ما إذا كان الناخب يريد أن تذهب الموارد إلى الخارج أم أن تُعاد توجيهها نحو مشكلات الداخل.

ثالثا:بدء تراجع  تأثير إيباك 
تكتسب المواجهة في ميشيغان أهمية  بالغة بسبب حجم الإنفاق المرتبط بها. وتشير المعطيات  إلى إنفاق يقترب من 30 مليون دولار في محاولة لدعم ستيفنز وإيقاف تقدم السيد

وبغض النظر عن اختلاف طرق احتساب الإنفاق الانتخابي والجهات التي تنفقه، فإن الرقم نفسه أصبح جزءاً من المعركة السياسية

وهنا تظهر مفارقة المال السياسي: الأموال التي يفترض أن تمنح المرشح قدرة أكبر على المنافسة قد تتحول إلى مادة يستخدمها خصمه ضده

فحين يستطيع المرشح أن يقول للناخب إن جهات خارجية أو جماعات مصالح تنفق ملايين الدولارات للتأثير في اختيار ممثله، فإن الإنفاق يتحول من مصدر قوة إلى سؤال عن استقلال القرار السياسي

وهذه النقطة تحديداً قد تكون من أهم التحديات المستقبلية أمام أيباك وحلفائها. فالمشكلة ليست بالضرورة أن المال لم يعد مؤثراً، وإنما أن الناخب أصبح أكثر استعداداً للنظر إلى مصدر المال بوصفه جزءاً من القصة الانتخابية نفسها

رابعاً: تيك توك  والبودكاستالنموذج الجديد
لم يعد الطريق إلى الناخب الأمريكي يمر بالضرورة عبر قيادات الحزب وشبكات التمويل التقليدية ووسائل الإعلام الكبرى.

فالمرشحون الجدد يستخدمون منصات مثل «تيك توك» والبودكاست ومنصات التواصل الاجتماعي لبناء علاقة مباشرة مع الجمهور. وتتيح هذه الأدوات للسياسي أن يشرح مواقفه خارج الإطار الذي تفرضه المقابلات التلفزيونية التقليدية أو الحملات التي تديرها المؤسسات الحزبية.

وفي حالة السيد ومن قبله ممداني أصبح التواصل المباشر جزءاً من استراتيجية سياسية متكاملة تكمن في خطاب سياسي واضح، و حضور رقمي قوي، تبرعات صغيرة من المؤيدين، وتحويل القاعدة الشعبية إلى قوة تستطيع تحدي المؤسسة وهنا تتغير معادلة النفوذ نفسها.

في النموذج القديم كان الحزب يمنح المرشح المال والدعم والظهور، ثم يطلب من الناخب التصويت له. أما في النموذج الجديد، فيحاول المرشح أولاً بناء قاعدة شعبية مستقلة، ثم يستخدم قوتها للتأثير في الحزب.

خامسا: تغير المزاج الديمقراطي تجاه إسرائيل
تظهر أهمية هذا التحول أيضاً في اتجاهات الرأي العام داخل الحزب الديمقراطي.

ويشير استطلاع لرويترز تراجع في تأييد الديمقراطيين لإسرائيل من 59% في عام 2018 إلى 22% في مايو/أيار الأخير

إذا تأكد استمرار هذا الاتجاه عبر استطلاعات متعددة، فإن أثره السياسي سيكون كبيراً؛ لأن السياسيين لا يتعاملون فقط مع مواقف الناخبين الحالية، بل يحاولون استشراف اتجاهات الأجيال المقبلة.

ويبدو أن الحرب في غزة أدت إلى تسريع هذا النقاش، خصوصاً بين الناخبين الأصغر سناً، الذين أصبحوا أكثر استعداداً لانتقاد السياسة الإسرائيلية وأكثر مطالبة بربط الدعم الأمريكي بشروط سياسية وحقوقية.

أهمية مؤشر ميشيغان في الانتخابات 
تكمن حساسية ميشيغان في أنها ليست مجرد دائرة انتخابية ديمقراطية آمنة، بل ولاية ذات أهمية كبيرة في الانتخابات العامة، وتضم كتلة عربية ومسلمة مؤثرة، إلى جانب قاعدة عمالية وشبابية يمكن أن تؤثر في النتائج.

كما أن نتائج الولاية تحمل رسالة إلى المرشحين الذين يستعدون لانتخابات 2026 وما بعدها: تجاهل موقف الناخبين من غزة قد يصبح أكثر كلفة، خصوصاً عندما يتزامن ذلك مع أزمات اقتصادية وشعور واسع بعدم الثقة بالمؤسسة السياسية.

الاختبار الحقيقي في نوفمبر
يبقى فوز السيد في الانتخابات التمهيدية مرحلة أولى فقط فالاختبار الأكبر سيكون في الانتخابات العامة أمام الجمهوري مايك روجرز.

 إذ لن يكون السؤال عن قدرة السيد على هزيمة مرشحة ديمقراطية مدعومة من المؤسسة، وإنما عن قدرته على تحويل قاعدته التقدمية إلى تحالف انتخابي واسع يستطيع الفوز في ولاية متأرجحة ومن هنا ستظهر حدود أثر قضية غزة فإذا استطاع السيد الجمع بين الناخبين العرب والمسلمين والتقدميين والشباب والناخبين المتذمرين من المؤسسة الاقتصادية والسياسية، فقد تصبح تجربته نموذجاً يمكن أن يستفيد منه مرشحون آخرون.

أما إذا اصطدم خطابه بحدود التحالف الانتخابي في الانتخابات العامة، فقد تتعامل المؤسسة الديمقراطية مع تجربة ميشيغان باعتبارها انتصاراً مهماً للقاعدة التقدمية، لكن ليس بالضرورة تحولاً شاملاً في السياسة الانتخابية الأمريكية.

اخبار ذات صلة