بعد عامين من الحرب التي أخرجت المدارس في قطاع غزة من دورها الطبيعي، تتجه وزارة التربية والتعليم إلى محاولة إعادة الطلبة إلى التعليم الوجاهي مع بداية العام الدراسي الجديد، عبر التوسع في إنشاء المدارس الميدانية واستغلال ما تبقى من ساحات ومنشآت تعليمية.
وتأتي هذه المساعي في وقت تعرضت فيه غالبية مباني العملية التعليمية للدمار أو الأضرار البالغة، فيما لا تزال منشآت أخرى تُستخدم لإيواء النازحين، ما يجعل العودة إلى المدارس مهمة معقدة لا تتعلق فقط بتوفير مقاعد وفصول دراسية، بل بإيجاد أماكن آمنة تستوعب الطلبة وتوفير الحد الأدنى من مستلزمات التعليم في ظل غياب الكتب المدرسية واستمرار النقص في القرطاسية.
ويقول مدير عام الإدارات المدرسية في وزارة التربية والتعليم، الدكتور عائد الربعي، إن الوزارة تستعد للتوسع خلال العام الدراسي المقبل في افتتاح المدارس الميدانية الحكومية، ضمن خطة تهدف إلى "إيصال التعليم لجميع الطلبة وإتاحته بشكل مجاني في أماكن وجودهم".
ويوضح الربعي لـ "الرسالة نت" أن الوزارة وجهت رسائل إلى أولياء الأمور لحثهم على إلحاق أبنائهم بالعملية التعليمية الوجاهية مع بداية العام الدراسي، مؤكداً أن التعليم الميداني سيكون أحد الحلول الأساسية للتعامل مع الواقع التعليمي الذي فرضته الحرب.
ولا تقتصر هذه الجهود على المدارس الحكومية، إذ يقول الربعي إن الوزارة تواصلت مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بشأن إمكانية العودة إلى التعليم الوجاهي، في وقت تدير فيه الوكالة مدارس ميدانية تقدم أشكالاً من التعليم غير الرسمي للطلبة.
وخلال فترة الصيف، عملت الوزارة على توسيع عدد من المدارس الميدانية التي أُقيمت في ساحات المدارس، إلى جانب تنفيذ مشاريع لإزالة ركام بعض المدارس بهدف استغلال المساحات المتاحة وإقامة تجمعات مدرسية تستوعب الطلبة.
لكن هذا التوسع يصطدم بعقبة أخرى تتمثل في استمرار استخدام عدد من المدارس والساحات كمواقع لإيواء النازحين، وهو ملف يحتاج، وفق الربعي، إلى معالجة مشتركة من الجهات الحكومية والمجتمع، مشيراً إلى أن الوزارة تتعامل حالياً مع الواقع القائم وما هو متاح من ساحات ومساحات يمكن استخدامها في العملية التعليمية.
ويقول الربعي إن حجم الأضرار التي لحقت بالمنظومة التعليمية في غزة "غير مسبوق في التاريخ"، موضحاً أن تقرير الحالة التعليمية الذي نشرته الوزارة أظهر حجم الدمار الذي أصاب المدارس الحكومية ومدارس الوكالة والمدارس الخاصة، إضافة إلى المرافق الإدارية التابعة للوزارة.
وبحسب المعطيات التي أوردها المسؤول، فإن أكثر من 85% من المباني التعليمية تعرضت لدمار كامل، فيما أصيبت غالبية المباني المتبقية بأضرار بالغة، بينما تحولت منشآت أخرى إلى أماكن لإيواء النازحين.
ولا يقتصر الدمار على المدارس، إذ طال المرافق الإدارية للوزارة أيضاً، حيث يشير الربعي إلى تدمير معظم المباني الإدارية التي كانت تستخدمها الوزارة، وعددها 43 مبنى، ولم يتبقَّ سوى مبنى مديرية واحد، معتبراً أن ما حدث يمثل "إبادة" واسعة لمرافق العملية التعليمية.
وفي ظل هذا الواقع، تحاول وزارة التربية والتعليم الاعتماد على المدارس الميدانية والشراكة مع المؤسسات الدولية والمحلية لتوفير الحد الأدنى من استمرار التعليم، فيما تؤدي منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) دوراً كشريك أساسي للوزارة، إلى جانب وكالة أونروا وغيرها من الجهات العاملة في المجال التعليمي.
ويشير الربعي إلى أن لكل شريك حدوداً ودوراً محدداً في العملية التعليمية، مؤكداً أن الوزارة تواصل التنسيق مع الشركاء لتنفيذ التدخلات الممكنة في ظل الظروف القائمة.
ولا تبدو أزمة التعليم مرتبطة بالمباني فقط، فالحرب أوقفت أيضاً وصول الكتب المدرسية إلى القطاع، في وقت تعاني فيه المدارس من نقص شديد في القرطاسية والمستلزمات التعليمية.
ويقول الربعي إن ضعف إدخال القرطاسية يمثل تحدياً إضافياً، لكن الوزارة عملت على نشر الرزم التعليمية التي يحتاج إليها الطلبة إلكترونياً، بما يتيح للطلبة الوصول إليها عبر الأجهزة المحمولة أو أجهزة الحاسوب، كما يمكن لمن يستطيع ذلك طباعتها والاستفادة منها بصورة ورقية.
ويؤكد أن الكتب المدرسية لم تدخل إلى قطاع غزة منذ بداية الحرب، ما يعني أن العام الدراسي المقبل سيعتمد، كما العام السابق، على الرزم التعليمية المتوافرة والمواد الإلكترونية إلى جانب ما يمكن توفيره من نسخ مطبوعة.
وبينما تستعد الوزارة لتوسيع التعليم الميداني، يبقى السؤال الأهم هو مدى قدرة هذه المدارس على استيعاب أعداد الطلبة في ظل الدمار الهائل الذي أصاب البنية التعليمية، واستمرار أزمة النزوح، ونقص المستلزمات والكتب.
من الخيام إلى المدارس الميدانية.. غزة تترقب عودة التعليم الوجاهي
الرسالة نت - خاص