من داخل سجن الدامون، لم تكتب الأسيرة الفلسطينية إخلاص عودة عن نفسها وحدها. حملت رسالتها الأخيرة تفاصيل يومية صغيرة، لكنها تكشف حياة الأسيرات خلف القضبان: أرض تتحول إلى فراش، وملابس صيفية محدودة، حشرات وأمراض جلدية، رطوبة خانقة، وهواء لا يكفي للتنفس.
خلال زيارة المحامي حسن عبادي لها، نقلت إخلاص صورة عن أوضاع الأسيرات في الدامون، حيث يبلغ عددهن، وفق إفادتها، نحو 89 أسيرة، في ظل اكتظاظ شديد يضطر بعضهن إلى النوم على الأرض.
لكن الأرض ليست المشكلة الوحيدة.
تحدثت إخلاص عن انتشار الحشرات وما تسببه من حساسية وأمراض جلدية وتقرحات، وعن نقص الأدوية وصعوبة الحصول على المتابعة الطبية اللازمة. وقالت إن الأسيرات يعانين ظروفًا صحية صعبة في ظل نقص الرعاية الطبية.
ثم وصلت إلى تفصيل يبدو عاديًا خارج السجن، لكنه يصبح معاناة كاملة داخله: الملابس.
بحسب إفادتها، لا تملك الأسيرة سوى لباس صيفي واحد، ما يضطرها إلى غسله باستمرار وإعادة ارتدائه. وفي مكان مكتظ ورطب، تصبح عملية غسل قطعة الملابس وتجفيفها مشكلة بحد ذاتها.
أما الهواء، فكان له نصيب من رسالتها.
قالت إخلاص:
«الرطوبة عالية، وفش تهوية!»
جملة قصيرة تختصر حال المكان؛ غرف مكتظة، رطوبة مرتفعة، تهوية سيئة، وأجساد تحاول احتمال ظروف صحية تزداد قسوة مع الوقت.
وتحدثت كذلك عن الخوف من الاقتحامات المفاجئة، الذي يجعل الأسيرات يعشن في حالة ترقب دائم، حتى أثناء النوم، إذ تضطر بعضهن إلى إبقاء ملابسهن كاملة تحسبًا لأي اقتحام أو تفتيش.
وفي رسالتها، لم يكن مطلب إخلاص شخصيًا. فقد شددت على ضرورة إيصال التقارير الطبية إلى إدارة السجن، وتأمين العلاج والمتابعة الطبية للأسيرات اللواتي يحتجن إليها.
وراء هذه الرسالة تقف امرأة تعرف السجن منذ طفولتها.
إخلاص عودة من قلقيلية، وهي ابنة الأسير المحرر الدكتور ياسر حماد، وزوجة الأسير المحرر والمُبعد شادي عودة. وقد نشأت في عائلة كان الاعتقال حاضرًا في حياتها منذ سنواتها الأولى؛ إذ سبق أن تحدثت عن زياراتها لوالدها وأعمامها في السجون، وعن اعتقال خمسة من أفراد عائلتها في فترة واحدة.
وحين كبرت، تزوجت شادي عودة، الذي اعتُقل عام 2002 وحُكم عليه بالسجن 23 عامًا، ثم أُفرج عنه ضمن صفقة وفاء الأحرار عام 2011، قبل أن يعاد اعتقاله لاحقًا. وأصبح شادي بالنسبة إلى إخلاص زوجًا وأسيرًا في الوقت نفسه.
أنجبت منه طفلين، عائشة ومحمد، وعاشت سنوات طويلة وهي تحاول أن تجعل الأب الغائب حاضرًا في حياة أطفاله. كان محمد قد ولد بينما والده في السجن، فكانت تحاول أن تعوضه عن أب لم تتح له فرصة أن يعيش معه طفولته بصورة طبيعية.
وفي الوقت نفسه، واصلت إخلاص طريقها العلمي؛ فحصلت على البكالوريوس في العلوم من جامعة القدس المفتوحة، ثم الماجستير في مناهج التدريس وأساليبه، وواصلت دراستها في مجال أساليب التعلم والتعليم.
لكن في مارس/آذار 2026، انتقلت إخلاص من موقع زوجة الأسير إلى الأسيرة نفسها.
في 18 مارس/آذار، اعتقلتها قوات الاحتلال خلال حملة واسعة في قلقيلية استهدفت أكثر من 17 امرأة، غالبيتهن من زوجات الأسرى والأسرى المحررين وذوي الشهداء. وكانت إخلاص من بين المعتقلات بوصفها زوجة الأسير المحرر والمُبعد شادي عودة.
أُفرج عنها لفترة قصيرة، لكن الإفراج لم يدم طويلًا. وفي 27 مارس/آذار، اقتحمت قوات الاحتلال منزل والدها في حي النفار بمدينة قلقيلية، وأعادت اعتقاله، كما أعادت اعتقال إخلاص، بعد يوم واحد فقط من الإفراج عنها.
وفي 31 مارس/آذار، صدر بحقها أمر اعتقال إداري لمدة ثلاثة أشهر ونصف، وفق قائمة هيئة شؤون الأسرى والمحررين ونادي الأسير الفلسطيني.
هكذا وجدت إخلاص نفسها في الدامون، بعيدًا عن أطفالها، وفي السجن الذي طالما عرفته من الجهة الأخرى من القضبان؛ يوم كانت طفلة تزور والدها وأعمامها، ثم زوجة تنتظر زوجها، ثم أمًا تشرح لأطفالها معنى أن يكون الأب غائبًا.
اليوم، هي الغائبة.
لكن رسالتها الأخيرة أعادت صوتها إلى الخارج.
لم تطلب إخلاص في رسالتها شيئًا كبيرًا. تحدثت عن أشياء يفترض أن تكون بديهية: مكان للنوم، ملابس كافية، علاج، تهوية، وهواء.
غير أن التفاصيل التي نقلتها تجعلها أكثر من شكوى فردية؛ إنها شهادة عن حياة عشرات النساء داخل الدامون.
وفي نهاية رسالتها، بقيت تلك العبارة القصيرة معلقة في الهواء الذي تقول إنه لا يدخل بما يكفي:«الرطوبة عالية، وفش تهوية!»
إخلاص عودة.. رسالة من الدامون: "الرطوبة عالية، وفش تهوية"
الرسالة نت - خاص