قائمة الموقع

مرضى السرطان ..في سباق مع الموت بسبب الدواء المفقود والموعد المؤجل

2026-08-08T13:53:00+03:00
الرسالة نت - خاص

 

في كل مرة ينتظر فيها ابنها اتصالاً يخبره بموعد السفر، كانت والدته تتشبث بأمل أن تأتي المكالمة قبل أن يسبقه المرض. قبل أشهر، أُبلغت الأسرة بأن اسم الشاب أحمد البالغ 29 عاماً أُدرج ضمن قوائم المرضى المرشحين لمغادرة قطاع غزة لتلقي العلاج، لكن الموعد لم يأتِ، بينما تتراجع حالته الصحية يوماً بعد آخر.

كان العلاج قد بدأ يؤتي ثماره؛ ثلاث جرعات من بروتوكول علاجي جديد أسهمت في خفض نسبة الخلايا السرطانية بنحو 30%، بعد أن فشل البروتوكول الأول في تحسين حالته. لكن هذا التحسن سرعان ما اصطدم بعائق لم يكن في جسده: الدواء المطلوب لاستكمال العلاج لم يعد متوفراً.

ومنذ ذلك الحين، يعيش الشاب بين انتظار جرعة لا يجدها، وسفر لا يعرف متى يأتي، ومرض لا ينتظر.

تقول والدته إن الأطباء أبلغوها بضرورة سفره بصورة عاجلة لاستكمال العلاج خارج القطاع، وإن الأسرة استكملت إجراءات التحويلة الطبية منذ بداية مرضه. وقبل نحو أربعة أشهر، أبلغتها منظمة الصحة العالمية بأن اسمه مدرج ضمن قوائم المرضى المرشحين للمغادرة، لكنها لم تتلقَ أي اتصال منذ ذلك الحين.

وتناشد الأم الجهات المعنية والمنظمات الدولية التدخل العاجل لإنقاذ ابنها، مؤكدة أن العلاج الذي يحتاجه لم يعد متاحاً داخل قطاع غزة، وأن استمرار الانتظار يهدد حياته.

هذه القصة لا تبدو استثناءً في قطاع غزة، حيث يخوض نحو 11 ألف مريض بالسرطان معركة مزدوجة ضد المرض وضد انهيار منظومة العلاج التي يفترض أن تمنحهم فرصة للبقاء.

ففي الوقت الذي تحتاج فيه أجسادهم إلى أدوية منتظمة وعلاجات متخصصة ورعاية متواصلة، يعاني القطاع نقصاً حاداً وغير مسبوق في أدوية الأورام، وفي مقدمتها أدوية العلاج الكيميائي والعلاجات الداعمة والمنقذة للحياة، ما أدى إلى توقف أو تعثر بروتوكولات علاجية وحرمان آلاف المرضى من استكمال الرعاية التي يحتاجون إليها.

**السرطان في مواجهة منظومة صحية منهارة

ولا تقف الأزمة عند نقص الدواء، إذ فقد مرضى السرطان جزءاً كبيراً من البنية الطبية المتخصصة التي كانت تقدم لهم التشخيص والعلاج.

فقد استُهدف مركز علاج الأورام في مستشفى غزة الأوروبي جنوب شرقي خانيونس وأُخرج عن الخدمة، فيما تعرض مستشفى الصداقة التركي للتدمير، وهو المرفق الحكومي الوحيد المتخصص في علاج أورام البالغين في القطاع، كما دُمر قسم علاج السرطان في مستشفى الرنتيسي للأطفال، بعد تحويل هذه المرافق إلى مواقع عسكرية لفترات طويلة.

ومع خروج هذه المراكز من الخدمة وتضرر المستشفيات الأخرى، تقلصت قدرة القطاع على استقبال المرضى وتوفير العلاجات المتخصصة، في وقت تتزايد فيه أعداد من يحتاجون إليها.

ويقول الدكتور محمد أبو ندى، المدير الطبي لمركز غزة للسرطان، إن العجز في الأدوية والعلاجات الأساسية، إلى جانب استمرار منع المرضى من السفر، يضع حياة مرضى السرطان أمام خطر مباشر.

ويشير إلى أن غياب العلاج المناسب وتوقف خدمات الرعاية التخصصية يؤديان إلى وفاة ثلاثة مرضى يومياً نتيجة مضاعفات المرض، في ظل الانهيار المتواصل للمنظومة الصحية.

ويؤكد أن قطاع غزة يفتقر بصورة كاملة إلى خدمات العلاج الإشعاعي، في حين تصل نسبة العجز في أدوية الأورام إلى 61%، وهو ما يضع الأطباء أمام خيارات علاجية قاسية.

وفي بعض حالات سرطان الثدي، يضطر الأطباء، وفق أبو ندى، إلى اللجوء للاستئصال الكامل للثدي، حتى في بعض الحالات المبكرة، بسبب غياب العلاج الإشعاعي وتعذر تحويل المرضى إلى الخارج.

جرعة ناقصة قد تغيّر مصير مريض

ويواجه مرضى السرطان مشكلة أخرى تتمثل في عجز أقسام الأورام بالمستشفيات العاملة عن استقبال المزيد من الحالات، بسبب محدودية الإمكانات الطبية، والنقص الحاد في الأدوية والمستلزمات، والتراجع الكبير في القدرة الاستيعابية للمرافق الصحية التي تعرضت لدمار واسع.

ويقول أبو ندى إن نقص الأدوية التخصصية يعرقل تطبيق البروتوكولات العلاجية الأساسية لدى أعداد كبيرة من المرضى، بما ينعكس بصورة مباشرة على فرص استجابتهم للعلاج والبقاء على قيد الحياة.

حتى الأدوية التي لا تعالج الورم مباشرة أصبحت جزءاً من معركة البقاء؛ فغياب حقن تعزيز المناعة التي يحتاج إليها المرضى بعد جلسات العلاج الكيميائي يزيد خطر إصابتهم بالالتهابات البكتيرية والفيروسية، في وقت تكون فيه أجسادهم أكثر هشاشة وقدرتها على مقاومة العدوى محدودة.

أما المرضى في المراحل المتقدمة من السرطان، فيواجهون ألماً إضافياً مع النقص الحاد في الأدوية التلطيفية والمسكنات، ما يحرم كثيرين منهم من الرعاية التي يفترض أن تخفف آلامهم وتحافظ على كرامتهم في أصعب مراحل المرض.

***أربعة آلاف ينتظرون طريق الخروج

وفي الخارج، يقف ملف السفر كحلقة أخرى في هذه الأزمة.

نحو 4 آلاف مريض بالسرطان ينتظرون السماح لهم بمغادرة القطاع لتلقي علاج غير متوفر داخله، بينما تتطلب حالات بعضهم تدخلاً طبياً عاجلاً لا يحتمل التأجيل.

وبالنسبة لهؤلاء المرضى، لا يعني تأخر السفر مجرد تأجيل موعد في مستشفى آخر؛ فالسرطان مرض يتطور، والعلاج الذي يتأخر قد يفقد جزءاً من فعاليته، والحالة التي يمكن التعامل معها اليوم قد تصبح أكثر تعقيداً غداً.

وهكذا يجد المريض نفسه أمام معادلة قاسية: مستشفى متخصص خرج عن الخدمة، ودواء غير متوفر، وعلاج إشعاعي غائب، وتحويلة طبية لا تتحول بالضرورة إلى رحلة علاج.

**حرمان من الحق في العلاج

ويؤكد المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان أن حرمان مرضى السرطان من الأدوية والعلاجات الأساسية، وتعطيل خدمات الرعاية الطبية المتخصصة، وعرقلة سفر المرضى الذين لا تتوفر علاجاتهم داخل قطاع غزة، لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد خلل في الإمدادات الطبية.

ويعتبر المركز أن هذه الإجراءات تشكل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، في ظل ما أدت إليه من تقويض ممنهج لمقومات النظام الصحي وحرمان السكان من حقوق أساسية، في مقدمتها الحق في الصحة والعلاج.

ويستند ذلك إلى المادة (12) من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، التي تكفل حق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى ممكن من الصحة البدنية والعقلية، وتلزم باتخاذ التدابير اللازمة للوقاية من الأمراض وعلاجها وتوفير الخدمات الطبية والأدوية الأساسية دون تمييز.

كما تتعارض هذه الأوضاع مع الالتزامات المنصوص عليها في المادتين (55) و(56) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، بشأن ضمان تزويد السكان المدنيين بالمؤن الطبية والحفاظ على الخدمات والمنشآت الطبية واتخاذ التدابير اللازمة لضمان الصحة العامة والرعاية الطبية.

ويشير المركز كذلك إلى أن القيود المفروضة على إدخال الأدوية والمستلزمات الطبية، إلى جانب استهداف المنشآت الصحية وتعطيل قدرتها على تقديم خدماتها، قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة وفقاً للمادة (147) من الاتفاقية.

وفي غزة، لم تعد معركة مريض السرطان تبدأ وتنتهي داخل غرفة العلاج.

إنها تبدأ حين يبحث الطبيب عن الدواء، وتستمر حين ينتظر المريض جرعته، وتتسع حين يُغلق أمامه طريق العلاج الإشعاعي، وتصبح أكثر قسوة حين تتحول التحويلة الطبية إلى انتظار مفتوح.

أما الوقت، الذي يفترض أن يكون حليفاً للعلاج، فيتحول بالنسبة لآلاف المرضى إلى خصم جديد.

اخبار ذات صلة