من المفاهيم اللافتة في الاقتصاد السلوكي مفهوم "ألم الدفع"، وهو الشعور النفسي الذي يرافق الإنسان عندما ينفق أمواله. وتزداد حدة هذا الشعور عادة عند الدفع نقدا لأن رؤية النقود وهي تغادر المحفظة تجعل تكلفة الشراء أكثر وضوحا وتدفع المستهلك إلى قدر أكبر من التفكير قبل الإنفاق. أما الدفع الإلكتروني فيجعل العملية أكثر سلاسة وأقل ارتباطا بالإحساس الفوري بخروج المال.
لكن في غزة، يبدو أن "ألم الدفع" يأخذ معنى مختلفا. فمع اتساع الاعتماد على وسائل الدفع الإلكتروني لم تعد القضية الأساسية هي كيف يدفع المواطن، وإنما هل يملك ما يكفي ليدفع أصلا؟
هنا تتغير المعادلة الاقتصادية، فالأزمة التي تعيشها الأسر وما يرافقها من تراجع في الدخول وارتفاع معدلات البطالة وضعف النشاط الاقتصادي، تجعل محدودية الموارد هي التحدي الأكبر. قد يصبح الدفع الإلكتروني أكثر سهولة وقد يختصر الوقت والجهد في إتمام المعاملات لكنه لا يزيد الدخل ولا يعالج تراجع القدرة الشرائية.
صحيح أن الدفع الإلكتروني وفر حلا عمليا في ظل شح السيولة النقدية وساعد على استمرار جزء من المعاملات اليومية إلا أن سهولة الدفع لا تعني بالضرورة تحسن الوضع الاقتصادي.
فالأسرة التي كانت تقلق من انخفاض رصيدها النقدي أصبحت اليوم قد تقلق من انخفاض رصيدها الإلكتروني بالقدر نفسه. الأداة تغيرت لكن القلق الاقتصادي بقي حاضرا.
ولذلك، يمكن القول إن "ألم الدفع" في غزة لم يختفِ وإنما انتقل من ألم رؤية المال وهو يغادر اليد إلى ألم التفكير في كفايته. فالمواطن لا ينظر فقط إلى قيمة السلعة التي يشتريها وإنما إلى ما إذا كان ما تبقى من دخله أو رصيده سيسمح له بتغطية احتياجاته الأساسية لاحقا.
وهذا يطرح درسا اقتصاديا مهما يتمثل في أن التكنولوجيا المالية تستطيع أن تجعل عملية الدفع أسهل لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل الحياة الاقتصادية أسهل. فالمشكلة الأعمق ترتبط بالدخل وفرص العمل والقدرة على الوصول إلى السلع والخدمات والقدرة الشرائية.
لذلك، فإن معالجة "ألم الدفع" في غزة لا تبدأ من شاشة الهاتف أو من المحفظة الإلكترونية وإنما من الاقتصاد نفسه، عبر تنشيط الأسواق وخلق فرص العمل وتحسين مستويات الدخل وتعزيز قدرة الأسر على التخطيط وإدارة مواردها المحدودة.
في النهاية، قد يختفي صوت النقود الورقية وهي تغادر المحفظة لكن ألم الإنفاق سيبقى ما دام السؤال الأصعب قائما: هل يكفي ما نملك لتلبية ما نحتاج؟