في خيمة نزوح مهترئة في مواصي خان يونس جنوبي قطاع غزة، يمسك محمد الهمص، صورة والده الأسير الطبيب مروان الهمص، إلى جوار صورة الطبيب حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان المعتقل هو الآخر.
ئحدق في الصورتين طويلًا، كمن يبحث فيهما عن طمأنينة غائبة، ثم يرفع رأسه مخاطبًا العالم: "هؤلاء أطباء.. اعتُقلوا وهم على رأس عملهم، لا ذنب لهم سوى أنهم أنقذوا الأرواح".
اعتُقل الطبيب مروان الهمص في 21 تموز/يوليو 2025، ولا يزال حتى اليوم محتجزًا في سجن "عسقلان"، بحسب ما وصل للعائلة من شهادات أسرى محررين.
ومنذ ذلك اليوم، لم يصل إلى أسرته أي خبر رسمي عنه، سوى أنه يعاني انخفاضًا حادًا في الوزن، وإهمالًا صحيًا، في ظل ظروف اعتقال قاسية، وقلة طعام ورعاية طبية.
ويقول محمد: إن الاحتلال لم يكتفِ باعتقال والدي، بل دمّر منزلنا في رفح، لتجد الأسرة نفسها نازحة، مكونة من تسعة أفراد، يعيشون على الانتظار والخوف: "نحن نعد الأيام وننتظر لحظة الإفراج عنه، ونخشى أن يصلنا خبر لا نحتمله".
ودرس الطبيب الهمص، الطب العام في روسيا لثماني سنوات، ثم تخصص في التخدير والإنعاش بعد عودته إلى غزة، وشغل منصب مدير عام المستشفيات الميدانية، وفق عائلته.
وأضاف الهمص، لم يكن والدي يحمل سلاحًا، بل كان يحمل حقيبة إسعاف، لكن ذلك لم يشفع له أمام آلة الاعتقال.
طريق إلى الزنزانة
لم تكن تسنيم الهمص، ابنة الطبيب، تتخيل أن طريقها إلى النقطة الطبية في خان يونس صباح الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي، سيتحوّل إلى طريق للاعتقال.
خرجت تسنيم، بخطوات تشبه المهنة التي اختارتها، خطوات هادئة ومسؤولة، قبل أن تتوقف بجانبها مركبة تقل قوة خاصة متعاونة مع الاحتلال.
انفتح الباب بعنف، وفق ما تقوله الهمص لمراسل صحيفة "فلسطين" امتدت الأيدي، اختُطفت في وضح النهار، وهدد الجنود كل من حاول الاقتراب منها بالقتل، وخلال دقائق، كانت تُنقل شرق خان يونس، ثم تُسلَّم لجيش الاحتلال الذي اعتقلها فورًا. لم تُبلَّغ الهمص، بتهمة واضحة، سوى أنها "ابنة طبيب فلسطيني معتقل".
نُقلت تسنيم، وفق قولها، إلى سجن "عسقلان" وهناك وضعت عمدًا في المكان ذاته الذي يحتجز فيه والدها، ولم يكن ذلك مصادفة، بل أداة ضغط قاسية، لخنق الأب بابنته، وكسرها به.
كانت الفتاة الوحيدة بين زنازين مخصصة للرجال، في زنزانة لا تتجاوز مترًا ونصفًا، بلا نافذة، بلا ضوء، عتمة لا تُفرّق بين ليل ونهار، يداها مكبلتان إلى الخلف، وعيناها معصوبتان.
وتمضى تسنيم بالقول: "اختُطفت واعتُقلت دون أي ذنب، وُجّهت لي تهم لا أعرفها، التحقيق كان وحشيًا، مليئًا بالتهديد والإهانة، الهدف منه ابتزاز والدي".
وتكمل الهمص، أن المحققين شتموها وهددوها بقتل عائلتها، في محاولة لكسرها نفسيًا.
27 يومًا في عسقلان
بقيت تسنيم في سجن عسقلان 27 يومًا، خضعت خلالها لتحقيقات متواصلة، جلست في إحداها 72 ساعة متواصلة على كرسي التحقيق، مكبلة اليدين، معصوبة العينين، ممنوعة من رفع رأسها. أُجلست ثلاث مرات على جهاز كشف الكذب، في محاولة لانتزاع أي معلومة عن الأسرى الإسرائيليين في غزة.
وتقول الهمص: :كانوا يسألون السؤال ذاته: أين المختطفون؟، أين هدار غولدن؟، وأنا أجيب: ما بعرف، فيصرخون، يخرجون، ثم يعودون ويسألون من جديد".
أقسى لحظات الاعتقال، كما تصفها، كانت حين أُدخلت فجأة إلى غرفة التحقيق، ونُزعت العصبة عن عينيها، فرأت والدها أمامها، جسد نحيل، ويدان مكبلتان خلف ظهره، ووجه أنهكه التعب.
"أول مرة أشوف والدي يبكي"، تقول تسنيم،: "بكاؤه حرق قلبي، اقتربت منه، قبّلت رأسه، مسحت دموعه بوجهها، وجلست على الأرض وقبّلت قدميه، الجنود صرخوا، هددوها، طالبوها بأن تسأله عن ملف مكان احتجاز الجندي الإسرائيلي هدار غولدن، المحتجز في قطاع غزة.
قال لها بصوت مكسور: "أنا ما بعرف يا بنتي وأنتِ بتعرفي".
حين فشل الضغط، قرروا نقلها إلى سجن "الدامون" وهي تُساق مكبلة في الممر، كانت تصرخ: "بابا، سامعني؟".
جاءها صوته من خلف الزنازين: "هيني يا تسنيم.. الله يسهل عليكِ.. توكلي على الله".
فصل من العذاب
في سجن "الدامون" بحيفا، وُضعت تسنيم، مع أسيرات تم اعتقالهن من قطاع غزة، خلال حرب الإبادة الجماعية، لتبدأ مرحلة جديدة من التنكيل، حرمان من الحمام، منع الفورة، شتائم يومية، غياب الأغطية وأدوات النظافة، ماء بارد الوقت، وضرب وإهانات متكررة.
تشهد تسنيم، على مشاهد لا تفارق ذاكرتها أسيرة يُرش الغاز الحارق على وجهها وهي مكبلة، تسقط مغشيًا عليها، ثم تُجبر على الوقوف، تفتيش مستمر واقتحام غرف الأسيرات، ونزع الحجاب، وضرب متواصل.
كما تتحدث عن "المعبار"، المكان الذي ينقل عبره الأسرى بين السجون، بلا كاميرات أو رقابة، حيث يفتح الباب لتعذيب بلا شهود: "كنت أرى الجنود ينهالون ضربًا، وأتذكر والدي فأنهار".
وتشير إلى أنها لم ترَ محاميًا طوال اعتقالها، ولم تُبلَّغ بتهمة واضحة، كانت تردد تحت الضرب: "فدا أبوي"، وكأن حبها لوالدها تهمة إضافية.
وفي إحدى المرات، اقتادتها جندية إلى غرفة عُلقت على جدرانها صورة لغزة مدمرة، وقالت لها: "هذه غزة.. خلص، ما في غزة" لتجيب تسنيم بثبات: "غزة راح تتعمر من جديد"، كان الرد كافيًا لتُضرب بقسوة، لكنها واصلت التكرار.
وأُفرج عن "تسنيم" بعد 58 يومًا من الاعتقال، في نوفمبر 2025، ونُقلت عبر الصليب الأحمر إلى مستشفى شهداء الأقصى، خرجت حرة الجسد، لكنها تحمل في ذاكرتها سجونًا لا تُفتح أبوابها.
وتختم الهمص، شهادتها بالقول: إن أوضاع الأسيرات كارثية، ويحتجن إلى الإفراج العاجل، وتوفير الغذاء والدواء والأغطية، في ظل قمع متواصل وإطلاق قنابل الغاز داخل الأقسام.
أما شقيقها محمد، فلا يفارق صورة والده يديه، يحدق فيها كل يوم، منتظرًا لحظة اللقاء التي يحولها من صورة على ورق إلى واقع.
غير أن الخوف يرافق انتظاره، خشية أن يمس والده أي مكروه في ظل الانتهاكات والجرائم المتواصلة التي يتعرض لها الأسرى داخل السجون الإسرائيلية.
وحذر المركز الفلسطيني للدفاع عن الأسرى، في وقت سابق، من استمرار الاحتلال الإسرائيلي في اعتقال 16 طبيبا من قطاع غزة في ظروف قاسية ولا إنسانية، مطالبا بالإفراج الفوري عنهم.
وأوضح المركز، في بيان صدر عنه، أن الأطباء الأسرى يتعرضون للعزل، والحرمان من الزيارات والتواصل مع عائلاتهم، وسوء المعاملة، والتجويع، والإهمال الطبي، والتحقيق القاسي، ضمن سياسة إسرائيلية انتقامية تستهدف الكوادر الطبية الفلسطينية التي بقيت في مواقعها تؤدي واجبها الإنساني والمهني في علاج الجرحى والمرضى خلال حرب الإبادة.
وتواصل سلطات الاحتلال اعتقال نحو 9400 أسير، بينهم 99 أسيرة، وأكثر من 350 طفلاً، و3244 معتقلاً إداريًا، إضافة إلى آلاف المعتقلين من قطاع غزة، الذين لا يزال عدد كبير منهم رهن الاحتجاز القسري منذ اندلاع الحرب، وفق احصائيات رسمية.