لم يعد الركام في قطاع غزة مجرد شاهد على الدمار الذي خلّفته الحرب الإسرائيلية، بل أصبح، وفق معطيات وشهادات وتقارير حقوقية وإسرائيلية، جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة تستثمر في الحرب نفسها. فبينما ينتظر مئات آلاف الفلسطينيين إزالة أنقاض منازلهم للعودة إلى أراضيهم أو انتشال ذويهم، تتحدث تقارير عن شركات إسرائيلية خاصة، وآليات ثقيلة، وعقود مالية، وشاحنات تنقل الركام خارج القطاع، في مشهد يثير أسئلة قانونية وأخلاقية حول مصير ملايين الأطنان من أنقاض غزة.
فبعد أن تحولت أحياء كاملة إلى مساحات من الخرسانة المحطمة، لم يتوقف الأمر عند حدود التدمير، بل امتد – وفق تقارير حقوقية وإعلامية – إلى إدارة الركام باعتباره مورداً اقتصادياً، وسط اتهامات بأن الاحتلال يوظف شركات مدنية ومقاولين لتحقيق أرباح من عمليات الهدم وإزالة الأنقاض، في وقت ما يزال آلاف الفلسطينيين في عداد المفقودين تحت تلك الأنقاض.
60 مليون طن من الركام
تقدّر الأمم المتحدة كمية الركام الناتجة عن الحرب في قطاع غزة بنحو 60 مليون طن، وهي كمية غير مسبوقة في تاريخ القطاع، وتحتاج إلى سنوات طويلة لإزالتها حتى في الظروف الطبيعية.
وبحسب برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن المرحلة الأولى من التعامل مع الركام لا تستهدف إعادة الإعمار، بل فتح الطرق الرئيسية التي دمرت خلال الحرب، عبر إنشاء خمس محطات لمعالجة الركام باستخدام كسارات متنقلة تسمح بإعادة استخدام جزء من المواد في أعمال التسوية وفتح الطرق.
ويؤكد مسؤولو البلديات في غزة أن أكثر من 830 كيلومتراً من الطرق دُمرت بشكل كلي أو جزئي، ما يجعل إزالة الركام ضرورة إنسانية قبل أن تكون خطوة نحو إعادة الإعمار.
لكن هذه الجهود تصطدم بعقبات كبيرة، أبرزها استمرار القيود على إدخال المعدات الثقيلة، واستمرار العمليات العسكرية، إضافة إلى سيطرة الاحتلال على مساحات واسعة من القطاع.
شركات خاصة داخل ساحة الحرب
في المقابل، تكشف تحقيقات صحفية إسرائيلية أن عمليات الهدم داخل غزة لم تعد حكراً على الجيش، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على شركات مدنية متخصصة في تشغيل المعدات الثقيلة.
ومن بين هذه الشركات "ميشك عفار" التي وثقت مقاطع مصورة لعمالها وهم ينفذون عمليات هدم واسعة في مدينة رفح، بحضور مالك الشركة ألون إلغالي، الذي ظهر ميدانياً داخل مناطق العمليات.
كما برزت شركة "تايلور كرادي غروب" المتخصصة في إعادة التدوير والنقل، والتي أكد مالكها ليئور كرادي في مقابلات إعلامية أن الجيش يعتمد على شركاته لتشغيل أعداد كبيرة من الجرافات والحفارات بسبب نقص خبرة جنود الاحتياط في تشغيل المعدات الثقيلة.
وأوضح أن كل فريق يضم ما بين 8 إلى 12 معدة ثقيلة، ويستطيع هدم نحو 100 مبنى يومياً، مع توفير الجيش الحماية الكاملة للطواقم المدنية.
سوق مفتوحة للهدم
وتشير تقارير صحف إسرائيلية، بينها هآرتس وذا ماركر، إلى أن وزارة الدفاع الإسرائيلية تدفع مبالغ كبيرة مقابل عمليات الهدم.
ووفق تلك التقارير، يحصل أصحاب المعدات الثقيلة على نحو 150 ألف شيكل شهرياً عن كل معدة تعمل داخل غزة، فيما تتحمل وزارة الدفاع تكاليف الوقود والصيانة.
كما تنتشر إعلانات توظيف على منصات التواصل الاجتماعي ومجموعات "فيسبوك" تطلب مشغلي حفارات وجرافات للعمل داخل غزة برواتب يومية تصل إلى 1200 شيكل، مع توفير السكن والوجبات، في حين تحدث بعض العمال عن حصولهم على رواتب شهرية قاربت 30 ألف شيكل.
هذه الأرقام دفعت باحثين إلى وصف ما يجري بأنه انتقال من "اقتصاد الحرب" إلى "اقتصاد الدمار"، حيث يصبح استمرار عمليات الهدم مصدراً للأرباح بالنسبة لشركات ومقاولين مدنيين.
بطولات على أنقاض المدن
ولا يقتصر الأمر على المكاسب المالية، إذ رافقت عمليات الهدم حملة إعلامية داخل إسرائيل قدمت بعض مشغلي الجرافات باعتبارهم "أبطالاً".
ومن أبرزهم الحاخام وجندي الاحتياط أفراهام زرفيف، الذي ظهر في وسائل إعلام إسرائيلية متحدثاً عن هدم عشرات المنازل يومياً، واصفاً قيادة الجرافة بأنها "فن".
كما تداول جنود ومستوطنون مقاطع فيديو تظهر عمليات الهدم مصحوبة بالأغاني والتصفيق والاحتفالات، في مشاهد أثارت انتقادات حقوقية واسعة باعتبارها توثق تدمير ممتلكات مدنية بصورة استعراضية.
أين يذهب الركام؟
السؤال الأكثر إثارة للجدل يتعلق بمصير ملايين الأطنان من الأنقاض، فالمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان قال إن سلطات الاحتلال تنفذ عملية منظمة لإزالة وتفتيت الركام في المناطق التي تسيطر عليها داخل غزة، ثم تنقله إلى داخل إسرائيل.
وبحسب المرصد، تعمل نحو 400 آلية في عمليات تفتيت الأنقاض، بينما تنقل قرابة 100 شاحنة يومياً الركام إلى خارج القطاع، مشيراً إلى إزالة أو تفتيت ما يقارب 10 ملايين طن حتى الآن في مناطق السيطرة العسكرية.
ويرى المرصد أن هذه العمليات لا تقتصر على إزالة مخلفات الحرب، بل تشمل مواقع يُعتقد أنها تحتوي على مقابر جماعية ورفات آلاف المفقودين، الذين يقدر عددهم بنحو 8500 شخص لا يزالون تحت الأنقاض، ما قد يؤدي إلى فقدان أدلة جنائية مهمة مرتبطة بالتحقيق في الانتهاكات.
منازل تتحول إلى مواد خام
ويحذر حقوقيون من أن الركام لا يمثل مجرد مخلفات بناء، بل هو ملكية خاصة تعود لسكان القطاع.
فالخرسانة وحديد التسليح والحجارة التي كانت تشكل منازل الفلسطينيين يمكن إعادة تدويرها واستخدامها في مشاريع أخرى، وهو ما يثير مخاوف من استغلال اقتصادي لممتلكات خاصة داخل أرض محتلة.
كما أن إزالة الركام قبل توثيق المواقع قد يؤدي إلى محو حدود الملكيات الخاصة، ويعقد مستقبلاً عمليات إثبات الحقوق العقارية وإعادة الإعمار.
بين الإعمار والاستثمار
في المقابل، تؤكد الأمم المتحدة أن هدفها من معالجة الركام يتمثل في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وفتح الطرق، وليس استغلال المواد اقتصادياً.
ويقول برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن استخدام الكسارات يهدف إلى إنتاج مواد يمكن الاستفادة منها داخل غزة في أعمال التسوية المؤقتة، بما يساعد البلديات على استعادة الحد الأدنى من الخدمات.
إلا أن هذه الخطط تواجه عراقيل كبيرة، أبرزها نقص المعدات، واستمرار القيود الإسرائيلية على إدخال الآليات الثقيلة، وهو ما يجعل عمليات إزالة الركام تسير ببطء شديد مقارنة بحجم الدمار.
تحديات قانونية
يثير نقل الركام خارج الأراضي الفلسطينية تساؤلات قانونية تتعلق بأحكام القانون الدولي الإنساني.
فالقانون الدولي يحظر على قوة الاحتلال الاستيلاء على الممتلكات الخاصة أو استغلالها خارج حدود الأراضي المحتلة إلا في حالات استثنائية ووفق شروط محددة.
كما يؤكد خبراء قانونيون أن أي إزالة للركام ينبغي أن تراعي الحفاظ على الأدلة الجنائية، خصوصاً في المواقع التي قد تضم رفات مفقودين أو آثاراً لجرائم محتملة، بما يضمن إمكانية إجراء تحقيقات مستقلة مستقبلاً.
وفي هذا السياق، دعا المرصد الأورومتوسطي إلى إرسال فرق تحقيق دولية متخصصة لتوثيق مواقع الدمار قبل إزالة الأنقاض، ومساءلة الشركات التي يثبت تورطها في عمليات الهدم أو نقل الركام، وضمان أن تتم أي مشاريع مستقبلية لإزالة الأنقاض أو إعادة الإعمار بقيادة فلسطينية وبما يحفظ حقوق أصحاب الممتلكات.
اقتصاد ينمو فوق الأنقاض
تكشف الوقائع أن الحرب في غزة لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية، بل أنتجت اقتصاداً موازياً يقوم على الهدم وإزالة الأنقاض وتشغيل المعدات الثقيلة. وبينما تسعى الأمم المتحدة إلى تحويل الركام إلى وسيلة لفتح الطرق واستعادة الحد الأدنى من الحياة، تتحدث تقارير حقوقية وإعلامية عن استغلال اقتصادي للأنقاض في ظل استمرار الحرب.
وفي ظل وجود عشرات الملايين من أطنان الركام، وآلاف المفقودين الذين ما تزال رفاتهم تحت الأنقاض، تبقى الأولوية الإنسانية متمثلة في انتشال الضحايا، وحفظ الأدلة، وتمكين السكان من استعادة حقوقهم، قبل أن يتحول الركام إلى مورد اقتصادي جديد يضاف إلى كلفة الحرب الباهظة على قطاع غزة.