1000 يوم 1000 يوم

مرونة فلسطينية وتعنت نتنياهو.. المرحلة الثانية في مهب الريح

الرسالة نت - خاص

في الوقت الذي أبدت فيه حركة حماس والفصائل الفلسطينية مرونة لافتة في التعامل مع ترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، تتزايد المؤشرات على أن حكومة الاحتلال برئاسة بنيامين نتنياهو تسعى إلى إعادة صياغة الاتفاق بما ينسجم مع أهدافها السياسية والعسكرية، الأمر الذي يهدد بتعطيل الانتقال إلى المرحلة التالية وإطالة أمد الحرب، وسط جهود متواصلة يبذلها الوسطاء لإنقاذ المسار التفاوضي ومنع انهياره.

ورغم التفاهمات التي جرى التوصل إليها برعاية مصر وقطر وتركيا، فإن الخلاف لم يعد يدور حول التفاصيل الفنية بقدر ما يتعلق بجوهر الاتفاق وآلية تنفيذه، إذ تصر "إسرائيل" على فرض شروط جديدة تتجاوز ما تم الاتفاق عليه، وفي مقدمتها حصر سلاح المقاومة بصورة كاملة قبل أي انسحاب من قطاع غزة، مقابل تمسك الفصائل بمبدأ التنفيذ المتبادل والمتزامن للالتزامات.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي نهاد أبو غوش، أن القضايا الخلافية الحالية ليست جديدة، بل ترتبط بخطط ومقترحات طُرحت سابقًا وانحازت بصورة واضحة للرؤية الإسرائيلية، موضحًا أن الاحتلال يحاول اختزال الاتفاق في بند سحب سلاح المقاومة، متجاهلًا التزاماته الأساسية المتعلقة بوقف إطلاق النار، وفتح المعابر، وإدخال المساعدات الإنسانية، والانسحاب التدريجي من القطاع.

ويوضح أبو غوش لـ "الرسالة نت"، أن "إسرائيل" استغلت انشغال المجتمع الدولي بتطورات إقليمية أخرى، لتفرض تفسيرها الخاص للاتفاق، معتبرًا أن ما عجزت عن تحقيقه خلال الحرب تحاول فرضه اليوم عبر الضغوط السياسية والدبلوماسية، مستفيدة من مواقف دولية منحازة تجاه الرواية الإسرائيلية.

ويبين أن المقاومة رفضت هذا التفسير، وتمسكت بمبدأ الالتزامات المتبادلة، بحيث يقابل كل إجراء فلسطيني خطوة إسرائيلية مماثلة، وهو ما نجح الوسطاء في تكريسه ضمن تفاهمات تنص على تنفيذ تدريجي ومتوازن للاتفاق، يشمل ترتيبات خاصة بالسلاح الثقيل، وإدارة قطاع غزة، والانسحاب الإسرائيلي المرحلي وصولًا إلى الانسحاب الكامل.

لكن هذه الصيغة، بحسب أبو غوش، اصطدمت باعتراضات إسرائيلية جديدة، بعدما وضعت حكومة الاحتلال ثلاثة خطوط حمراء، أبرزها الاحتفاظ بحرية تنفيذ العمليات العسكرية، ورفض الانسحاب الكامل، والاعتراض على بعض أدوار الوسطاء، في محاولة لتحويل الاتفاق إلى أداة لاستكمال أهداف الحرب بوسائل سياسية بعدما أخفقت في تحقيقها عسكريًا.

ويؤكد أن ملف المرحلة الثانية لا يزال مفتوحًا على احتمالات متعددة، في ظل استمرار المماطلة الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بتحديد جدول زمني للانسحاب وآليات الرقابة الدولية، وهي ملفات يعتقد أن "إسرائيل" قد تستخدمها لتأخير التنفيذ والحفاظ على وجودها العسكري داخل القطاع.

وفي المقابل، يشدد أبو غوش على أن المرونة التي أبدتها حركة حماس والفصائل الفلسطينية لا تمثل تراجعًا عن الثوابت الوطنية، وإنما تندرج ضمن ما يصفه بـ"المرونة التكتيكية"، التي تهدف إلى حماية الشعب الفلسطيني وإنهاء الحرب، دون المساس بالثوابت المتعلقة برفض الاحتلال، والتمسك بالانسحاب الكامل، ورفض تسليم السلاح لأي جهة غير فلسطينية.

ويلفت إلى أن المقاومة قدمت كذلك تنازلات على مستوى إدارة قطاع غزة، عندما أبدت استعدادها لنقل الصلاحيات الإدارية إلى لجنة فلسطينية مستقلة، معتبرًا أن ذلك يعكس أولوية الحفاظ على المصلحة الوطنية وإنهاء معاناة السكان، وليس التمسك بالمكاسب السلطوية.

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، أن ما جرى خلال المفاوضات يكشف محاولة إسرائيلية واضحة لتغيير جوهر خارطة الطريق، عبر إعادة تفسير الاتفاق بما يخدم المصالح الإسرائيلية.

ويوضح مناع لـ "الرسالة نت"، أن الصيغة الأصلية قامت على تنفيذ متزامن ومتدرج، يشمل تخزين السلاح الثقيل وتعطيل الأنفاق مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي ووقف العمليات العسكرية، إلا أن حكومة نتنياهو دفعت نحو صيغة مختلفة تشترط تفكيك السلاح والأنفاق بالكامل قبل بدء أي انسحاب، وهو ما يمنح "إسرائيل" حق الحكم منفردة على مدى التزام الجانب الفلسطيني.

ويؤكد مناع أن هذا الطرح يهدف بالأساس إلى إبقاء جيش الاحتلال داخل قطاع غزة لأطول فترة ممكنة، مع الحفاظ على حرية تنفيذ الغارات والاغتيالات وربط أي انسحاب بتقييمات أمنية إسرائيلية منفردة، إلى جانب خدمة الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو، الذي يواجه ضغوطًا من أحزاب اليمين مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.

ويعتقد أن فرص الانتقال الفعلي إلى المرحلة الثانية ما تزال محدودة، حتى مع استمرار المفاوضات، موضحًا أن تنفيذها يتطلب وقفًا كاملًا للعمليات العسكرية، وصياغة اتفاق مكتوب يحدد ترتيب الخطوات، إضافة إلى تشكيل آلية رقابة دولية تشرف على تنفيذ التزامات الطرفين بصورة متزامنة.

ويرى أن استمرار "إسرائيل" في الإصرار على تفكيك السلاح قبل الانسحاب سيؤدي إلى تعطيل الاتفاق، بينما قد تفتح الضغوط الأميركية الباب أمام خطوات جزئية، مثل بدء عمل اللجنة الفلسطينية، وإنشاء آليات الرقابة، والشروع في انسحاب تدريجي محدود.

ويشير مناع إلى أن الفصائل الفلسطينية قدمت بالفعل قدرًا كبيرًا من المرونة، بعدما وافقت على تشكيل لجنة مستقلة لإدارة قطاع غزة، وتخزين السلاح الثقيل، وتعطيل الأنفاق تحت إشراف ورقابة دولية، مقابل تنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي، وهو ما يعكس التزامها بمبدأ التنفيذ المتبادل.

وفي ظل هذا المشهد، تبدو المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار رهينة الإرادة السياسية الإسرائيلية أكثر من ارتباطها بالمواقف الفلسطينية، إذ يرى مراقبون أن نجاح الوسطاء في تثبيت الصيغة الأصلية للاتفاق، ومنع الاحتلال من فرض تفسيره المنفرد، سيكون العامل الحاسم لإنقاذ المسار السياسي، فيما يبقى خطر المماطلة الإسرائيلية قائمًا، بما يهدد بإطالة أمد الحرب وتعميق الأزمة الإنسانية في قطاع غزة.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير