لم يعد الذهاب إلى المدرسة في قطاع غزة مرادفًا للعلم والأمان، بل أصبح رحلة محفوفة بالموت والإصابة، في ظل استمرار استهداف الاحتلال الإسرائيلي للمنظومة التعليمية منذ اندلاع حرب الإبادة التي انطلقت شرارتها في السابع من أكتوبر 2023، وما رافقها من تدمير واسع للمدارس وقتل وإصابة آلاف الطلبة والمعلمين، في انتهاك متواصل لحق الأطفال في التعليم والحياة.
وفي أحدث هذه الاعتداءات، أُصيب الطالب خالد الأشرم، من الصف السادس الأساسي، بعد أن أطلقت قوات الاحتلال النار بشكل مباشر على مدرسة السوافير غرب مدينة غزة، لتخترق رصاصة يده الصغيرة وتستقر في رسغه، بينما كان يجلس على مقعده الدراسي ممسكًا بقلمه، في مشهد يجسد حجم المخاطر التي باتت تلاحق الطلبة حتى داخل مدارسهم.
وأثار الحادث موجة استنكار واسعة، إذ أكدت وزارة التربية والتعليم أن استهداف الأطفال داخل المدارس يمثل جريمة مركبة وانتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، مطالبة المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية بالتحرك العاجل لوقف الاعتداءات المتكررة على المؤسسات التعليمية وتوفير الحماية للطلبة.
ويؤكد مدير عام العلاقات العامة والإعلام في وزارة التربية والتعليم بغزة أحمد النجار، أن الاحتلال ينتهج منذ سنوات سياسة ممنهجة تستهدف جميع مكونات العملية التعليمية، سواء عبر تدمير المدارس أو استهداف الطلبة والمعلمين، معتبرًا أن ذلك يشكل انتهاكًا خطيرًا للقوانين والأعراف الدولية التي تكفل حماية التعليم أثناء النزاعات.
وأوضح النجار لـ "الرسالة نت"، أن الحرب المستمرة منذ ما يقارب ثلاثة أعوام وضعت العملية التعليمية في قلب دائرة الاستهداف المباشر، حيث تعرضت جميع مدارس قطاع غزة لأضرار جسيمة أو للتدمير، فيما قتل آلاف الطلبة والمعلمين والعاملين في وزارة التربية والتعليم، الأمر الذي ألحق خسائر بشرية وتعليمية غير مسبوقة.
وأشار إلى أن إصابة الطالب خالد الأشرم داخل مدرسته تأتي بعد أيام قليلة من استشهاد الطالب خالد البريم، الذي كان يستعد للاحتفال بنجاحه في الثانوية العامة، مؤكدًا أن هاتين الحادثتين تعكسان حجم المأساة التي يعيشها الطلبة في غزة، وتضافان إلى سلسلة طويلة من الانتهاكات التي طالت الأطفال والمؤسسات التعليمية.
وأضاف أن الوزارة تنظر إلى هذه الاعتداءات باعتبارها سياسة ممنهجة تستهدف حرمان جيل كامل من حقه في التعليم ومستقبله، مشددًا على أن استمرار الطلبة والمعلمين في مواصلة المسيرة التعليمية رغم الدمار والنزوح والظروف القاسية يعكس إرادة صلبة ورسالة صمود تؤكد أن التعليم سيبقى حاضرًا رغم محاولات طمسه.
وأكد النجار أن الوزارة تواصل مطالبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بتحمل مسؤولياتها القانونية والأخلاقية، واتخاذ خطوات عملية لحماية الطلبة والمؤسسات التعليمية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات التي تستهدف الأطفال وحقهم في التعلم والحياة.
ويأتي استهداف المدارس والطلبة في وقت تعيش فيه المنظومة التعليمية في قطاع غزة واحدة من أصعب مراحلها، بعدما تحولت عشرات المدارس إلى مراكز إيواء للنازحين، فيما دُمرت مدارس أخرى بشكل كلي أو جزئي، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على انتظام الدراسة ومستقبل مئات آلاف الطلبة.
ويُعد قطاع التعليم من أكثر القطاعات تضرراً خلال الحرب، الأمر الذي أدى لتعطيل التعليم النظامي للعام الثالث على التوالي، وتُشير تقديرات لوزارة التعليم، إلى أن الحرب تسببت بحرمان نحو 609,751 طالباً وطالبة من الالتحاق المنتظم بمدارسهم. كما تعطل عمل 26,776 من الكوادر التعليمية والإدارية عن أداء أدوارهم الطبيعية، بينهم 22,030 معلماً ومعلمة، في ظل استمرار النزوح وتدمير المؤسسات التعليمية وفقدان الكتب والمواد التعليمية.
ومع استمرار الحرب، تتسع دائرة الخسائر التعليمية والإنسانية، لتتجاوز تدمير المباني إلى استهداف الإنسان نفسه، حيث بات الطالب الفلسطيني يواجه خطر الإصابة أو الاستشهاد حتى وهو يجلس على مقعده الدراسي، في مشهد يعكس حجم الكارثة التي يعيشها قطاع التعليم في غزة، ويجدد المطالبات الدولية بضرورة حماية المؤسسات التعليمية باعتبارها مناطق مدنية يجب أن تبقى بمنأى عن الاستهداف، حفاظًا على حق الأطفال في التعليم ومستقبلهم.