في غزة، لم تعد الحرب تكتفي بقتل الأفراد، بل أصبحت تلاحق العائلات حتى آخر أسمائها.
في ليلة واحدة، أُغلقت ثلاثة بيوت دفعة واحدة، ولم يبقَ فيها من يروي كيف كانت الحياة قبل أن يتحول كل شيء إلى ركام.
في برج السوسي بمدينة غزة، هناك شقة صغيرة تحتضن أسرة عبد الله عدنان أبو الطيف. استشهد عبد الله، وزوجته عبير كمال كاظم عنان، وطفلهما عزام. ثلاثة أسماء خرجت معًا من سجل الأحياء، بعدما كانت تشكل عائلة كاملة بكل تفاصيلها البسيطة؛ أب يحلم، وأم ترتب يومها وسط الحرب، وطفل لم يعرف من الدنيا سوى أصوات الطائرات.
وفي دير البلح، كان الشيخ كمال أبو معيلق، المعروف بـ"أبو نبهان"، قد عاش ما يكفي من الفقد. قبل هذه الليلة، ودّع أبناءه الثلاثة، وظن أن الحرب استنفدت نصيبها من عائلته. لكنها عادت لتأخذ زوجته أيضًا، وتكتب فصلًا جديدًا من المأساة، وكأن الفقد لا يكتمل إلا حين لا يبقى من الأسرة إلا الذكريات.
غير بعيد، كانت عائلة محمود زكي الهمص تواجه المصير ذاته. استشهد محمود مع زوجته وابنته، بعدما سبق أن فقد عددًا من أفراد أسرته في هجمات سابقة.
قتل لا ينتهي بضربة واحدة، بل يعود إلى العائلة ذاتها مرة بعد أخرى، حتى لا يبقى منها إلا اسم يتناقله الناجون.
في غزة، لم يعد السؤال كم شخصًا قُتل، بل كم عائلة اختفت بالكامل، وكم طفل رحل قبل أن يكبر، وكم أم وأب دفنا أحلامهما تحت أنقاض منزلهما.
هكذا تُمحى العائلات من السجل المدني ومن ذاكرة الأحياء في آنٍ واحد. لا يبقى باب يُطرق، ولا مائدة يجتمع حولها أحد، ولا صورة عائلية تنتظر مناسبة جديدة.
إنها حرب لا تكتفي بإسقاط الضحايا، بل تقتلع الجذور، وتترك المدن مليئة ببيوت تعرف أسماء أصحابها، لكنها لم تعد تعرف أحدًا يعود إليها.
ورغم الحديث المتجدد عن الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، تواصل (إسرائيل) نسف أسس الاتفاق على الأرض عبر القصف اليومي، واستهداف المدنيين، ومنع وصول المساعدات، في مشهد يعكس غياب أي التزام فعلي ببنود التهدئة. وتشير تقارير وبيانات فلسطينية وأممية إلى توثيق آلاف الخروقات منذ دخول الاتفاق حيز التنفيذ، شملت غارات جوية، وإطلاق نار، وتوغلات، وعمليات هدم، أسفرت عن استشهاد مئات الفلسطينيين وإصابة الآلاف، فيما أكدت الأمم المتحدة استمرار سقوط الضحايا المدنيين رغم الحديث المزعوم عن سريان وقف إطلاق النار.
فقد أسفرت هذه الخروقات منذ 11 أكتوبر/تشرين الأول 2025 عن استشهاد 1,222 فلسطينيًا وإصابة 4,053 آخرين، إضافة إلى انتشال 804 شهداء من تحت الأنقاض. وتعكس هذه الأرقام استمرار العمليات العسكرية واستهداف المدنيين، في وقت يواصل فيه الاحتلال ضرب بنود الاتفاق والضمانات الدولية بعرض الحائط، لتبقى المفاوضات بعيدة عن واقع الميدان الذي لا يزال يحصد مزيدًا من الضحايا يومًا بعد يوم.