تتواصل الإجراءات الإسرائيلية في محافظة القدس بوتيرة متصاعدة، عبر سلسلة من السياسات التي تستهدف الأرض والسكان في آن واحد، في إطار ما يصفه مسؤولون وخبراء فلسطينيون بمحاولة لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي والجغرافي للمدينة ومحيطها بما يخدم المشروع الاستيطاني.
ولا تقتصر هذه السياسات على هدم المنازل الفلسطينية، بل تمتد إلى مصادرة الأراضي، وتوسيع المستوطنات، وبناء الجدار الفاصل، وإقامة الشوارع الاستيطانية، وإحكام السيطرة عبر الحواجز العسكرية، إلى جانب تهجير التجمعات البدوية ومشروع تسوية الأراضي، الذي يحذر مختصون من تداعياته بعيدة المدى على ملكية الفلسطينيين لأراضيهم في القدس.
رافات.. نموذج للعزل والهدم
تمثل بلدة رافات، الواقعة شمال غربي القدس، أحد أبرز النماذج لهذه السياسات. فمنذ إقامة جدار الفصل عام 2002، أصبحت البلدة محاصرة من ثلاث جهات، بعدما فُصلت عن امتدادها الطبيعي مع مدينة القدس، ولم يعد يربطها سوى مدخل واحد باتجاه مدينة رام الله.
وشهدت البلدة أخيراً تصعيداً جديداً تمثل في هدم منزل مكون من غرفتين ومطبخ ودورة مياه دون سابق إنذار، إلى جانب تسليم إخطارات بهدم منشأتين أخريين، بحجة البناء دون ترخيص وفق الأنظمة التي تفرضها سلطات الاحتلال.
ويقول رئيس مجلس قروي رافات صادق جبر إن البلدة تلقت خلال الفترة الماضية أكثر من 30 إخطاراً بوقف البناء وأوامر هدم، معتبراً أن الهدف من هذه الإجراءات هو منع التوسع العمراني الفلسطيني ودفع السكان إلى مغادرة أراضيهم.
وتبلغ مساحة رافات نحو أربعة آلاف دونم، إلا أن الاحتلال صادر أكثر من 1200 دونم منها لإقامة جدار الفصل ومعسكر "عوفر"، كما حُرم السكان من الوصول إلى مساحات واسعة من أراضيهم، في ظل القيود المفروضة على مشاريع التطوير، خاصة في المناطق المصنفة "ج" الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية الكاملة.
تصاعد غير مسبوق في عمليات الهدم
ويرى مدير دائرة الإعلام في محافظة القدس عمر رجوب أن المدينة تشهد منذ مطلع عام 2026 تصعيداً غير مسبوق في سياسة الهدم، موضحاً أن سلطات الاحتلال نفذت قرابة 300 عملية هدم وتجريف، وأجبرت عدداً من الفلسطينيين على هدم منازلهم ذاتياً، إضافة إلى إصدار مئات أوامر وقف البناء والإخلاء.
ويؤكد رجوب أن هذه السياسة تهدف إلى تقليص الوجود الفلسطيني في القدس، وتوسيع المساحات المخصصة للمشاريع الاستيطانية الحالية والمستقبلية، بما يمنع الفلسطينيين من استثمار أراضيهم أو البناء عليها.
ويضيف أن سياسة الهدم لا تتوقف عند إزالة المباني، بل تمتد إلى السيطرة على الأرض نفسها، مستشهداً بما يحدث في حي البستان ببلدة سلوان، حيث تمنع سلطات الاحتلال أصحاب المنازل المهدمة من إزالة الركام أو إعادة تأهيل أراضيهم، قبل أن تصدر لاحقاً قرارات بمصادرتها لإقامة مشاريع إسرائيلية، مثل مواقف الحافلات أو ما يعرف بـ"حدائق الملك داود".
أرقام توثق حجم الاستهداف
وبحسب مدير وحدة التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داود، فقد سُجلت منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 نحو 551 عملية هدم داخل حدود بلدية القدس وخارجها، أسفرت عن تدمير 1311 منشأة، من بينها 399 منزلاً مأهولاً، ونحو 80 منزلاً غير مأهول، إضافة إلى قرابة 400 منشأة زراعية ومنشآت تجارية وخدمية.
ويعتبر داود أن هذه الأرقام تعكس سياسة ممنهجة لإعادة تشكيل المشهد العمراني في القدس، بما ينسجم مع الخطط الإسرائيلية الرامية إلى تعزيز السيطرة على المدينة ومحيطها.
الحواجز والجدار.. عزل مستمر
ولا تقتصر أدوات السيطرة على الهدم، إذ يواصل الاحتلال فرض شبكة واسعة من الحواجز العسكرية والبوابات الحديدية حول بلدات القدس، حيث تشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى وجود 82 حاجزاً وبوابة عسكرية في المحافظة.
كما يمتد جدار الفصل في محيط القدس لمسافة تقارب 168 كيلومتراً، بارتفاع يصل إلى ثمانية أمتار في عدة مناطق، ما أدى إلى عزل أحياء وبلدات فلسطينية عن مركز المدينة، وفرض قيود يومية على حركة السكان ووصولهم إلى أماكن العمل والتعليم والخدمات الصحية.
تسارع في التوسع الاستيطاني
بالتوازي مع عمليات الهدم، تتواصل مشاريع البناء الاستيطاني بوتيرة متسارعة.
وتفيد معطيات محافظة القدس بأن سلطات الاحتلال صادقت منذ بداية عام 2026 على 21 مشروعاً استيطانياً يتضمن إنشاء 2435 وحدة استيطانية، فيما بلغ عدد المشاريع التي أُقرت خلال السنوات الخمس الماضية 130 مشروعاً شملت أكثر من 28 ألف وحدة استيطانية.
ويؤكد داود أن مشروع "إي 1" يعد من أخطر المخططات الاستيطانية، لأنه لا يستهدف القدس وحدها، بل يهدد التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، عبر ربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس ضمن مشروع "القدس الكبرى".
كما يشمل المخطط ربط الكتل الاستيطانية الرئيسية، مثل "جفعات زئيف" شمالاً و"غوش عتصيون" جنوباً، بما يعزز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة الشرقية للقدس.
الطرق الاستيطانية وإعادة تنظيم الحركة
ومن أبرز المشاريع المرتبطة بمخطط "إي 1"، مشروع شارع "نسيج الحياة"، الذي يهدف إلى إعادة تنظيم حركة الفلسطينيين بما يخدم التوسع الاستيطاني.
ويشير داود إلى أن الفلسطينيين كانوا يستخدمون تاريخياً شارع رقم (1) الرابط بين بيت لحم والقدس وأريحا، إلا أن المخطط الإسرائيلي يسعى إلى تخصيص هذا الطريق للمستوطنين، وتحويل حركة الفلسطينيين إلى شارع بديل يمر عبر عناتا والزعيم وصولاً إلى محيط معاليه أدوميم، بما يكرس الفصل في استخدام شبكة الطرق بين الفلسطينيين والمستوطنين.
تهجير التجمعات البدوية
وتبقى التجمعات البدوية شرق القدس من أكثر المناطق عرضة لخطر التهجير، خاصة في محيط مشروع "إي 1".
ويحذر داود من استمرار التهديدات التي تواجه قرية الخان الأحمر، رغم تأجيل تنفيذ قرار هدمها سابقاً، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال تواصل طرح مخططات لنقل سكان التجمعات البدوية إلى مناطق جديدة، من بينها موقع قرب مكب نفايات الزعيم، بهدف إخلاء المناطق الواقعة ضمن نطاق التوسع الاستيطاني.
"تسوية الأراضي".. الخطر الصامت
إلى جانب هذه الإجراءات، يحذر الباحث في الشؤون الإسرائيلية شادي الشرفا من مشروع تسوية الأراضي، الذي أعادت إسرائيل تفعيله عام 2018 بعد تجميده لعقود.
ورغم أن المشروع يُقدَّم باعتباره إجراءً لتنظيم ملكية الأراضي، فإن الشرفا يرى أنه يشكل أحد أخطر أدوات السيطرة على القدس، إذ يمنح أصحاب الأراضي مهلاً لاستكمال إجراءات التسجيل، وفي حال عدم إنجازها تُصنف الأراضي باعتبارها "أملاك غائبين"، الأمر الذي يتيح للاحتلال وضع اليد عليها.
ويشير إلى أن تعقيدات تسجيل الملكيات التاريخية في القدس تجعل مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية عرضة للمصادرة، خاصة في المناطق التي تستهدفها المشاريع الاستيطانية.
ويرى خبراء أن مجمل هذه السياسات، من الهدم والاستيطان ومصادرة الأراضي والجدار والحواجز وشق الطرق الاستيطانية وصولاً إلى مشروع تسوية الأراضي، تشكل منظومة متكاملة تهدف إلى تغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي في القدس، وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المدينة، مقابل تقليص الوجود الفلسطيني وعزل أحيائه وبلداته عن محيطها الطبيعي.