في الوقت الذي تتحدث فيه الولايات المتحدة عن "اتفاق تاريخي" يمهد لإنهاء الحرب في قطاع غزة، وتؤكد حركة حماس أنها أبدت مرونة في أكثر الملفات حساسية، تتجه الأنظار إلى الاحتلال، حيث يبقى القرار (الإسرائيلي) العامل الحاسم في تحديد مصير التفاهمات. وبين مؤشرات إيجابية صادرة عن الوسطاء، وتحفظات (إسرائيلية) متكررة، يبرز السؤال الأهم: هل يقبل الاحتلال باتفاق غزة، أم يعود مجددًا إلى سياسة المماطلة وفرض الشروط؟
وشهدت المفاوضات الأخيرة في مدينة العلمين المصرية تقدمًا لافتًا، بعد إعلان "مجلس السلام" خارطة طريق لاستكمال تنفيذ اتفاق وقف الحرب، تضمنت التزامات متبادلة بين (إسرائيل) وحركة حماس وفصائل المقاومة، وآليات لتسليم إدارة القطاع إلى لجنة وطنية مستقلة، إضافة إلى إدراج ملف سلاح المقاومة ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة، مع ربط أي خطوات تتعلق به بوقف العدوان والانسحاب (الإسرائيلي) الكامل من قطاع غزة.
كما أكدت حركة حماس أنها تعاملت "بمسؤولية وإيجابية" مع مقترحات الوسطاء لاستكمال تنفيذ المرحلة الثانية من الاتفاق، مشددة على أن تنفيذها يبقى مرهونًا بالتزام الاحتلال بتنفيذ جميع استحقاقات المرحلة الأولى.
وفي المقابل، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاتفاق بأنه "تاريخي"، معتبرًا أنه يمهد لتشكيل إدارة فلسطينية جديدة في قطاع غزة، وانسحاب تدريجي للقوات (الإسرائيلية)، بالتوازي مع إطلاق برنامج لإعادة الإعمار.
كما نقل مسؤول أمريكي أن إدارة ترامب "واثقة جدًا" من التزام إسرائيل ببنود الاتفاق، مشيرًا إلى أن الرئيس الأمريكي سيشعر بـ"خيبة أمل" إذا لم توافق الحكومة (الإسرائيلية) عليه، وهو ما يعكس حجم الرهان الأمريكي على نجاح هذا المسار، ويضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار حقيقي في قدرتها على تحويل هذا التفاؤل السياسي إلى ضغط فعلي على حكومة بنيامين نتنياهو.
مرونة فلسطينية..والاختبار عند إسرائيل
ويرى الكاتب والمحلل السياسي الدكتور تيسير محيسن أن ما جرى التوصل إليه في القاهرة يمثل تقدمًا مهمًا، بعد إغلاق عدد من الملفات التي شكلت أبرز العقبات أمام الاتفاق، وعلى رأسها ملفا السلاح والموظفين، معتبرًا أن ذلك يهيئ للانتقال إلى المرحلة الثانية من التهدئة.
ويؤكد محيسن أن الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، أبدت مرونة كبيرة في التعاطي مع هذه الملفات، الأمر الذي ينقل المسؤولية إلى الوسطاء، وفي مقدمتهم الإدارة الأمريكية، موضحًا أن المطلوب اليوم لم يعد إقناع (إسرائيل) بالاتفاق، وإنما ممارسة ضغوط حقيقية وملزمة لإجبارها على تنفيذ ما تم التوافق عليه.
لكنه يحذر في الوقت ذاته من الإفراط في التفاؤل، مشيرًا إلى أن التصريحات الصادرة عن المسؤولين (الإسرائيليين) لا توحي حتى الآن بوجود إرادة سياسية حقيقية للمضي في الاتفاق، بل تعكس استمرار سياسة المراوغة والتهرب من الاستحقاقات، وهي سياسة اعتادت الحكومات (الإسرائيلية) اتباعها في مختلف جولات التفاوض.
ويقدر محيسن فرص نجاح الاتفاق بنسبة 65 بالمئة، مستندًا إلى قناعته بأن المؤسسة السياسية (الإسرائيلية) لا تزال ترى أن الحرب لم تحقق أهدافها كاملة، وأن حركة حماس ما تزال تمتلك القدرة على إعادة بناء قدراتها، وهو ما يجعل قطاعات واسعة داخل الحكومة (الإسرائيلية) مترددة في المضي نحو اتفاق نهائي.
القرار انتخابي أكثر منه عسكريًا
من جانبه، يرى رامي خريس مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية أن القرار (الإسرائيلي) لم يعد تحكمه الاعتبارات العسكرية فقط، وإنما أصبح رهينة الحسابات السياسية والانتخابية الداخلية، في ظل اقتراب الاستحقاقات الانتخابية داخل (إسرائيل).
ويقول خريس إن حكومة بنيامين نتنياهو ستتعامل مع الاتفاق من زاوية تأثيره على مستقبلها السياسي، فإذا تمكنت من تسويقه داخليًا باعتباره إنجازًا أمنيًا وسياسيًا، فإن فرص الموافقة عليه سترتفع، أما إذا رأت أنه سيُفسر على أنه تنازل لحركة حماس، فمن المرجح أن تلجأ إلى طلب تعديلات جديدة أو تأجيل التنفيذ أو حتى التصعيد لتحسين شروط التفاوض.
ويضيف أن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن قرب التوصل إلى "اتفاق تاريخي" لا تصدر عادة من فراغ، بل تعكس وجود مؤشرات إيجابية لدى الإدارة الأمريكية، إلا أن التجربة السابقة مع الحكومات (الإسرائيلية) تؤكد أنها كثيرًا ما تعلن موافقة مبدئية، قبل أن تعود في اللحظات الأخيرة للمطالبة بتعديلات أو فرض شروط إضافية.
ويعتبر خريس أن إعلان ترامب يضع جزءًا من رصيده السياسي على المحك، الأمر الذي قد يدفع إدارته إلى تكثيف الضغوط على حكومة نتنياهو لتسريع الاتفاق، لكنه يستبعد أن تصل هذه الضغوط إلى حد فرض الاتفاق على (إسرائيل) دون تعديل، في ظل طبيعة العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وتل أبيب.
اختبار أمريكي.. وعقدة (إسرائيلية؟
وتتقاطع قراءتا محيسن وخريس عند نقطة جوهرية، وهي أن مستقبل الاتفاق لم يعد مرتبطًا بمدى استعداد الفصائل الفلسطينية، التي أعلنت قبولها باستكمال مراحل التهدئة، بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرة الولايات المتحدة على إلزام حكومة الاحتلال بتنفيذ ما تم التوافق عليه.
ورغم حالة التفاؤل التي رافقت الإعلان عن خارطة الطريق، فإن الموقف (الإسرائيلي؟ لا يزال يكتنفه الغموض، وسط استمرار الحسابات السياسية والأمنية التي تحكم قرارات حكومة نتنياهو، وهو ما يجعل الأيام المقبلة حاسمة في تحديد ما إذا كانت التفاهمات ستتحول إلى اتفاق فعلي ينهي الحرب ويفتح الباب أمام إعادة إعمار غزة، أم أنها ستلتحق بسلسلة المبادرات التي اصطدمت في النهاية بالمناورات الإسرائيلية وإعادة فتح ملفات التفاوض من جديد.
وفي ظل هذا المشهد، تبدو الإدارة الأمريكية أمام اختبار لا يقل أهمية عن اختبار (إسرائيل) نفسها؛ فنجاح الاتفاق لن يقاس بحجم التصريحات المتفائلة، وإنما بقدرة واشنطن على ترجمة ثقتها المعلنة إلى ضغط سياسي حقيقي يدفع حكومة الاحتلال إلى الالتزام بما تم التوافق عليه، ويحول خارطة الطريق من وثيقة تفاوض إلى واقع على الأرض.