تحل الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، فيما لا تزال الحركة تخوض واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخها، وسط حرب مستمرة، واستهداف غير مسبوق لقياداتها السياسية والعسكرية، وضغوط متزايدة على المستويين الميداني والسياسي.
وتسعى (إسرائيل) بكل قوتها وأدواتها لاستهداف البنية القيادية للحركة، انطلاقًا من قناعة بأن اغتيال قادة الصف الأول قد يحدث فراغًا في منظومة صنع القرار، ويؤدي إلى إرباك الأداء السياسي، بما ينعكس على المجريات على الأرض. إلا أن التجربة التاريخية، منذ انطلاق انتفاضة الأقصى وحتى اليوم، تشير إلى أن نتائج هذه السياسة لم تكن دائمًا متوافقة مع الأهداف (الإسرائيلية).
وفي هذا السياق، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد أبو قمر أن سياسة الاغتيالات (الإسرائيلية) بحق قيادات الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركة حماس، تعود إلى أكثر من خمسة وعشرين عامًا، حين اتخذت (إسرائيل) من استهداف القيادات وسيلة لإضعاف المقاومة وإحداث هزة داخل بنيتها التنظيمية، أملاً في التأثير على مجريات الأحداث في الميدان.
ويقول أبو قمر إن هذه السياسة بلغت ذروتها خلال الحرب الحالية، مع الجمع بين العمليات العسكرية واسعة النطاق داخل قطاع غزة، وملاحقة قيادات الحركة في الخارج، بدءًا من اغتيال نائب رئيس المكتب السياسي صالح العاروري، مرورًا باغتيال رئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية، وصولًا إلى استهداف عدد من قادة الصف الأول في إطار ما تصفه إسرائيل بسياسة "قطع الرأس".
ويشير إلى أن (إسرائيل) لم تكن تستهدف شخص إسماعيل هنية فحسب، بل كانت تراهن على إحداث فراغ في القيادة السياسية للحركة، باعتبار أنه كان يمثل أحد أبرز وجوهها السياسية، ويمتلك شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية، إلى جانب دوره في إدارة ملفات التفاوض والعلاقات مع الوسطاء في مرحلة شديدة الحساسية.
ويضيف أن الاحتلال سعى من خلال اغتيال هنية إلى رسم صورة بأنها نجحت في الوصول إلى قمة الهرم القيادي لحماس، وأن ذلك سينعكس على قدرة الحركة في إدارة الحرب واتخاذ القرار السياسي، إلا أن ما جرى لاحقًا جاء مغايرًا لهذه التقديرات.
ترتيب البيت الداخلي
ويؤكد أبو قمر أن البنية التنظيمية لحركة حماس، القائمة على التسلسل الهرمي وتوزيع الصلاحيات، مكنتها من احتواء آثار الاغتيالات بسرعة، موضحًا أن الحركة سارعت إلى سد الشواغر القيادية وفق ترتيبات داخلية أُعدت مسبقًا، وهو ما يعكس طبيعة عملها كحركة مقاومة اعتادت على التعامل مع سيناريوهات استهداف قادتها.
ويعكس الانتقال السريع للقيادة داخل الحركة، بحسب أبو قمر، وجود مؤسسات تنظيمية قادرة على إدارة الأزمات، بما يقلل من الاعتماد على الأشخاص مهما بلغت مكانتهم، كما يبعث برسالة مفادها أن سياسة الاغتيالات لن تنجح في تعطيل عملية اتخاذ القرار أو إرباك البنية التنظيمية.
ويلفت إلى أن هذا النهج ليس جديدًا، فقد سبق للحركة أن تجاوزت اغتيال مؤسسها الشيخ أحمد ياسين عام 2004، ثم اغتيال خليفته الدكتور عبد العزيز الرنتيسي بعد أسابيع قليلة، واستمرت في إعادة ترتيب صفوفها ومواصلة عملها السياسي والتنظيمي.
ويشير إلى أن الحركة كررت الآلية ذاتها بعد استشهاد هنية، حيث سارعت إلى اختيار قيادة جديدة، ثم استكملت إعادة هيكلة مؤسساتها القيادية، وصولًا إلى انتخاب خليل الحية رئيسًا للمكتب السياسي، وهو ما يعكس، بحسب أبو قمر، قدرة الحركة على سد الفراغات القيادية والحفاظ على استمرارية القرار رغم الظروف الأمنية والعسكرية شديدة التعقيد.
استمرارية الدور الوطني
ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها الحركة، يرى أبو قمر أن اغتيال القادة لا يخلو من تأثير، فكل شخصية قيادية تحمل معها خبرة سياسية وتنظيمية يصعب تعويضها بصورة فورية.
ويشير إلى أن إسماعيل هنية راكم خبرة طويلة امتدت منذ عمله إلى جانب مؤسس الحركة الشيخ أحمد ياسين، مرورًا بقيادته للحركة خلال الانتخابات التشريعية، ثم رئاسته للحكومة الفلسطينية، وصولًا إلى رئاسة المكتب السياسي، حيث لعب دورًا محوريًا في بناء العلاقات الإقليمية وإدارة الملفات السياسية.
لكن، وبرغم هذا الثقل، يؤكد أبو قمر أن الحركة استطاعت الفصل بين مكانة القائد واستمرارية المؤسسة، وهو ما مكّنها من مواصلة إدارة الملفات الوطنية والسياسية دون توقف.
وفي خضم الحرب، لم يقتصر التحدي أمام الحركة على تعويض القيادات التي فقدتها، بل امتد إلى الحفاظ على استمرارية إدارة الملفات الوطنية، وفي مقدمتها جهود وقف إطلاق النار، والتواصل مع الوسطاء، ومتابعة الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، إلى جانب إدارة العلاقة مع مختلف القوى الفلسطينية، وهو ما جعل الحفاظ على استمرارية المؤسسات القيادية جزءًا من معركة الحفاظ على القدرة على أداء الدور الوطني والسياسي.
ويضيف أن تجربة الحركة خلال العقود الماضية أظهرت أن الاغتيالات، رغم كلفتها البشرية والسياسية، دفعتها إلى تطوير آليات أكثر مرونة في تداول المسؤوليات وإعداد قيادات بديلة، الأمر الذي عزز قدرتها على الاستمرار رغم تعاقب عمليات الاستهداف.
ويخلص أبو قمر إلى أن (إسرائيل)، وإن نجحت في اغتيال شخصيات قيادية بارزة، فإنها لم تحقق هدفها المتمثل في شل الحركة أو تعطيل قرارها السياسي، إذ أثبتت حماس قدرتها على إعادة ترتيب بيتها الداخلي والمحافظة على استمرارية مؤسساتها.
وفي ظل استمرار الحرب، يبقى التحدي الأكبر أمام الحركة، وفق أبو قمر، ليس فقط في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، وإنما أيضًا في مواصلة إدارة الملفات الوطنية والسياسية، والاستجابة لمتطلبات الشعب الفلسطيني في ظل حرب مفتوحة وتداعيات إنسانية غير مسبوقة، بما يجعل استمرارية المؤسسات القيادية جزءًا من معركة الصمود، وليس مجرد مسألة تنظيمية داخلية.