تشير المعطيات إلى أن زيارة القاهرة تمثل فرصة حقيقية لإحداث اختراق في مسار المفاوضات، لكنها لا تضمن نجاحها تماما. فالفصائل الفلسطينية أبدت مرونة عالية واستعداداً للتوافق حول أكثر الملفات حساسية، بينما يواصل الوسطاء جهودهم لتقريب وجهات النظر وتوفير الضمانات اللازمة. إلا أن العامل الحاسم يبقى في مدى استعداد الاحتلال الاسرائيلي للتجاوب مع هذه المقترحات والالتزام بتنفيذ الاتفاق.
وتمثل جولة المفاوضات التي تستضيفها القاهرة نقطة تحول مهمة في مسار الحرب على قطاع غزة، إذ تأتي بعد أشهر من التصعيد والعدوان المستمر بعد دخول اتفاق وقف اطلاق النار حيز التنفيذ في أكتوبر الماضي, واستمرار الجهود الدبلوماسية المكثفة التي قادتها مصر وقطر وتركيا، إلى جانب ممثل "مجلس السلام" نيكولاي ملادينوف.
وتكتسب هذه الجولة أهمية خاصة لأنها لا تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل تتناول القضايا الأكثر حساسية في مستقبل القطاع، مثل إدارة غزة، ومستقبل موظفي الحكومة، وترتيبات السلاح، وآليات إعادة الإعمار، وهي ملفات كانت سببًا رئيسيًا في تعثر الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
وتكشف المعطيات بعد الموقف المتقدم الذي بادرت اليه حماس والفصائل إلى مرونة عالية في الموقف الفلسطيني التي وافقت على الصيغة التوافقية لبنود خطة ملادينوف، بعد إدخال تعديلات قانونية وفنية على البندين الخامس والثامن اللذين كانا يمثلان جوهر الخلاف, واللذان يعالجان آليات التعامل مع السلاح الثقيل، وتشكيل لجنة قانونية لمعالجة أوضاع الموظفين، وتسليم المؤسسات الحكومية للجنة الوطنية.
ويمكن تفسير الموقف الفلسطيني عبر الاسباب التالية:
أولًا: إعطاء الأولوية لوقف الحرب
أكدت المصادر أن حماس والفصائل الفلسطينية اعتبرت أن إنهاء الحرب ووقف نزيف الدم الفلسطيني الهدف الأساسي، ولذلك أبدت "كامل المرونة" للوصول إلى اتفاق يوقف العمليات العسكرية ويؤدي إلى تثبيت وقف إطلاق النار.
ثانيًا: الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق
كان البندان الخامس والثامن آخر نقطتي خلاف تعطلان الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار. لذلك رأت الحركة أن الموافقة عليهما بعد تعديل الصياغة ستزيل العقبة الرئيسية أمام استكمال الاتفاق.
ثالثًا: الحصول على ضمانات بالانسحاب الإسرائيلي وإعادة الإعمار
ربطت حماس موافقتها بتنفيذ بقية بنود الاتفاق، وعلى رأسها الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وإدخال المساعدات الإنسانية وبدءإعادة الاعمار وتنفيذ الالتزامات التي تعهد بها الوسطاء وبذلك جاءت المرونة في هذين البندين مقابل تحقيق مكاسب سياسية وإنسانية أكبر
رابعًا: تعديل الصياغة القانونية والفنية حيث أن البندين لم يُقبلا بصيغتهما الأولى، وإنما بعد إدخال تعديلات، منها:
في البند الخامس: تشكيل لجنة قانونية لمعالجة أوضاع الموظفين وضمان حقوقهم وفق القانون الفلسطيني، وعدم تحميل اللجنة الوطنية أعباء مالية سابقة لتوليها المسؤولية.
في البند الثامن: حصر الحديث في السلاح الثقيل وآليات تنفيذه تحت إشراف اللجنة الوطنية وقوة الاستقرار الدولية، مع استمرار التفاوض حول التفاصيل.
خامسًا: سحب الذرائع من إسرائيل
الحركة قدمت "مزيدًا من المرونة لقطع الطريق أمام إسرائيل ودفعها للموافقة وهذا يعني أن الحركة سعت إلى إزالة الأسباب التي قد تستخدمها الحكومة الإسرائيلية لتبرير استمرار الحرب أو تعطيل المرحلة الثانية من الاتفاق.
سادساً: تحميل إسرائيل مسؤولية التعطيل فمع كل محاولة للوسطاء من الاقتراب الى صيغة توافقية يتم نسفها وهو ما قد يتكرر وحذرت منه مصادر في الحركة خاصة في ضوء حسابات الانتخابات الإسرائيلية المرتقبة. وهذا يعكس قناعة لدى الحركة بأن الحكومة الإسرائيلية قد تكون أقل استعدادًا لتقديم تنازلات في فترة انتخابية.
سابعاً: تحويل الضغط السياسي
موافقة حماس على البنود الخلافية بينما رفضتها إسرائيل، فإن ذلك قد يؤدي إلى انتقال الضغط السياسي والإعلامي والدبلوماسي إلى الحكومة الإسرائيلية، ويؤكد أنها الطرف الذي يعرقل وقف إطلاق النار.
ولا يمكن اغفال جانب مهم هو أن الجولة الحالية هي الأولى بعد انتخاب خليل الحية رئيس للمكتب السياسي للحركة وانتقال رئاسة الوفد المفاوض إلى القيادي زاهر جبارين.
وبناءً على المعطيات السابقة فإن مستقبل وقف إطلاق النار لن يتحدد فقط بنتائج اجتماعات القاهرة، وإنما بمدى قدرة الأطراف كافة على الانتقال من مرحلة إدارة الصراع إلى مرحلة بناء تسوية سياسية قابلة للاستمرار، تحقق الأمن، وتوقف الحرب، وتفتح المجال أمام إعادة إعمار قطاع غزة، بما يخفف من معاناة السكان ويهيئ لمرحلة أكثر استقرارًا