قائمة الموقع

حين سقطت الحجارة الأثرية... سقط جزء من ذاكرة غزة

2026-07-29T19:57:00+03:00
خاص- الرسالة نت

لم يكن حمّام السمرة مجرد مبنى حجري يتوسط البلدة القديمة في غزة. كان مكانًا يحمل رائحة التاريخ، وتنعكس على قبابه أشعة الشمس كما فعلت لمئات السنين، بينما تتردد بين جدرانه حكايات التجار والحجاج وأهالي المدينة الذين مروا من هنا جيلاً بعد جيل. لكن في لحظة واحدة، انهارت القباب، وتناثرت الحجارة، واختفى آخر حمّام أثري في القطاع تحت الركام.

بسقوط حمّام السمرة، لم تخسر غزة معلمًا معماريًا فحسب، بل فقدت صفحة كاملة من ذاكرتها. فالحمّام الذي يعود تاريخه إلى العصر المملوكي، وشهد لاحقًا إضافات عثمانية، ظل لعقود مقصدًا للباحثين والوفود والزوار، وأحد أبرز المحطات في أي جولة داخل البلدة القديمة.

غير أن حمّام السمرة ليس سوى فصل من رواية أطول، عنوانها تآكل التراث الثقافي في غزة.

على مسافة غير بعيدة، يقف قصر الباشا، أو ما تبقى منه، شاهدًا على قرون من التاريخ. ذلك القصر الذي استقبل قادة وسلاطين، وتحوّل لاحقًا إلى متحف يروي تعاقب الحضارات على غزة، كان قبل الحرب محطة أساسية لطلاب المدارس والسياح والوفود الأجنبية. اليوم، أصابت القذائف أجزاءً منه، كما أصابت ذاكرة المكان التي احتضنت آثارًا تعود إلى عصور مملوكية وعثمانية.

أما الجامع العمري الكبير، أقدم وأكبر مساجد غزة، فقد تعرض لأضرار جسيمة طالت أجزاء واسعة منه، وهو الذي ظل على مدى قرون مركزًا دينيًا وثقافيًا، وشاهدًا على تعاقب الحضارات منذ العصر البيزنطي وحتى اليوم.

ولم تسلم كنيسة القديس برفيريوس، أقدم كنائس فلسطين، من أهوال الحرب، بعدما تعرض محيطها للقصف وسقط فيها ضحايا كانوا يحتمون داخلها، في مشهد هز العالم.

وفي قلب البلدة القديمة، تضررت سوق القيسارية التاريخية، حيث كانت الأزقة الحجرية والدكاكين القديمة تستقبل الزوار الباحثين عن الصناعات التقليدية والمشغولات التراثية. كما لحقت الأضرار بعدد من البيوت التاريخية والخانات والأسواق التي شكّلت الهوية العمرانية لمدينة غزة عبر مئات السنين.

قبل الحرب، كانت هذه المواقع تمثل خريطة سياحية وثقافية للمدينة. كان الزائر يبدأ من الجامع العمري، ثم يتجه إلى قصر الباشا، ويستريح في حمّام السمرة، قبل أن يتجول في سوق القيسارية وأزقة البلدة القديمة. لم تكن مجرد حجارة؛ كانت سردية متكاملة تحكي أن غزة ليست فقط مدينة تعيش الحاضر، بل مدينة تحمل تاريخًا يمتد آلاف السنين.

واليوم، ومع اتساع رقعة الدمار، يحذر خبراء التراث من أن الخسارة تقاس بما اندثر من شواهد مادية على تاريخ فلسطين. فالمعالم الأثرية، بخلاف المباني الحديثة، لا يمكن إعادة بنائها كما كانت؛ لأن قيمتها تكمن في أصالتها، وفي الحجارة التي بقيت في مكانها مئات السنين.

وحين تنهار هذه الحجارة، لا تسقط وحدها، بل يسقط معها جزء من ذاكرة المدينة، ومن حق الأجيال القادمة في أن ترى تاريخها بعينيها، لا في الصور والكتب فقط.

اخبار ذات صلة