مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

مقال: الغزيون يدفعون الثمن مرتين

أحمد أبو قمر مختص في الشأن الإقتصادي

لا تحتاج الأسواق في غزة إلى مزيد من التعقيدات حتى ترتفع الأسعار. يكفي أن تصبح الطريق إلى السلعة أكثر كلفة وأقل انفتاحا على المنافسة حتى يدفع المواطن الثمن مرتين، مرة من دخله الذي تآكل تحت وطأة الحرب ومرة من الأسعار التي ترتفع كلما زادت كلفة إدخال البضائع إلى القطاع.
المشكلة اليوم ليست في نقص السلع وحده وإنما في الطريقة التي تصل بها هذه السلع إلى الأسواق. فعندما تحصر عمليات الاستيراد في عدد محدود من التجار وتقيد حركة البضائع والمواد الخام ومستلزمات الإنتاج، فإن السوق تفقد أهم آلياتها الطبيعية وهي المنافسة.
ومع غياب المنافسة تصبح الأسعار أكثر قابلية للارتفاع، فيما تتراجع قدرة المستهلك على الاختيار ويصبح التاجر نفسه أسيرا لتكاليف إضافية لا علاقة لها بإنتاج السلعة أو جودتها.
وهنا تكمن واحدة من أخطر المفارقات الاقتصادية في غزة، فبدلا من أن تذهب الأموال إلى إعادة تشغيل المصانع والورش والمنشآت المتوقفة وإلى شراء المواد الخام والمعدات وخلق فرص العمل يضطر جزء من النشاط التجاري إلى تحمل تكاليف مرتبطة بالوصول إلى السوق نفسها. ووفق تقديرات اقتصادية، تكلفة ما يعرف بـ"تنسيقات التجار" قد تصل إلى أكثر من 500 ألف شيكل للشاحنة الواحدة، فيما يبلغ إجمالي الأموال المدفوعة مقابل هذه التنسيقات منذ بداية الحرب بلغ نحو ملياري دولار.
إذا صحت هذه التقديرات، فنحن أمام اقتصاد لا يخسر موارده فقط بسبب الحرب والدمار وإنما يخسر جزءا منها أيضا بسبب ارتفاع تكلفة التجارة. وهذه الأموال في نهاية المطاف، لا تبقى خارج حسابات السوق، فالتاجر الذي يدفع تكلفة إضافية لإدخال البضائع سيبحث عن استردادها والمستهلك هو من يدفع الفاتورة الأخيرة عبر ارتفاع الأسعار.
لكن الضرر لا يتوقف عند المستهلك، فالقطاع الخاص الذي يفترض أن يكون أحد محركات التعافي يواجه صعوبة في إعادة تشغيل منشآته بسبب القيود على إدخال المواد الخام والمعدات ومستلزمات الإنتاج.
وهكذا تصبح دائرة التعافي مغلقة، لا إنتاج من دون مواد خام ولا استيراد منتظم من دون آلية تجارية مفتوحة ولا انخفاض للأسعار من دون منافسة ولا فرص عمل جديدة من دون عودة المنشآت إلى العمل.
لهذا، فإن فتح الأسواق أمام عدد أكبر من التجار وتوسيع تدفق السلع لا ينبغي النظر إليه باعتباره مطلبا تجاريا فحسب وإنما باعتباره ضرورة اقتصادية. فكلما اتسعت المنافسة تراجعت قدرة أي طرف على التحكم بالسوق وأصبح المستهلك أمام خيارات أكبر وأسعار أكثر قابلية للاستقرار.
غزة تحتاج إلى إعادة بناء اقتصادها لكن إعادة البناء لا تبدأ من الإسمنت وحده، تبدأ أيضا من استعادة حركة التجارة وتوفير المواد الخام وإعادة تشغيل المنشآت وفتح المجال أمام القطاع الخاص للعمل ضمن قواعد واضحة وعادلة.
فالاقتصاد الذي يمنع من الحركة لن يستطيع إنتاج فرص العمل والاقتصاد الذي ترتفع فيه كلفة التجارة سيبقى عاجزا عن تخفيف أعباء المعيشة.
وذلك، لا يمكن فصل أزمة الأسعار عن أزمة التجارة ولا فصل أزمة التجارة عن القيود المفروضة على تدفق السلع. وكل يوم تستمر فيه هذه الحلقة يدفع المواطن أكثر مقابل سلعة قد يكون سعرها الأصلي أقل بكثير بينما يخسر الاقتصاد فرصة أخرى لاستعادة نشاطه.
إن إنعاش اقتصاد غزة يحتاج لإزالة الكلفة الزائدة التي تراكمت فوق كل سلعة قبل وصولها إلى المستهلك، فحين تصبح الطريق إلى السوق أغلى من القدرة على تحملها لا تعود المشكلة في سعر السلعة وحده وإنما في اقتصاد كامل يدفع ثمن الأزمة مرتين.

بث مباشر