في ظل التصعيد المتواصل الذي تشهده الضفة الغربية، تتزايد الدعوات الفلسطينية إلى تبني استراتيجية وطنية موحدة لحماية القرى الفلسطينية المهددة بالاستيطان والتهجير، في وقت تتسارع فيه وتيرة إقامة البؤر الاستيطانية، وتتوسع اعتداءات المستوطنين بحق السكان، وسط اتهامات لحكومة الاحتلال بتطبيق خطة تهدف إلى فرض السيطرة على كامل الضفة الغربية وتغيير واقعها الديمغرافي والجغرافي.
ويؤكد مراقبون وناشطون أن الاعتداءات اليومية على القرى الفلسطينية لم تعد أحداثًا متفرقة، بل أصبحت جزءًا من سياسة ممنهجة تستهدف دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، عبر التضييق على سبل الحياة، واستهداف الممتلكات، وتوسيع النشاط الاستيطاني، خاصة في المناطق المصنفة الأكثر عرضة للتهجير.
وقال منسق المبادرة الوطنية الفلسطينية في بيت لحم، مازن العزة، إن ما يجري في الضفة الغربية يأتي في إطار تنفيذ قرارات حكومة الاحتلال التي تبنت سياسة "حسم الصراع" عبر الاستيلاء على كامل الضفة الغربية، من خلال مشروع استيطاني غير مسبوق.
وأوضح العزة في حديثه لـ "الرسالة نت"، أن جميع مدن وقرى الضفة الغربية تتعرض لموجة واسعة من الانتهاكات، مشيرًا إلى أن القرى المحاذية للمستوطنات أصبحت "مصائد للموت" نتيجة الاعتداءات المتكررة التي ينفذها المستوطنون بحق المواطنين الفلسطينيين، في ظل حماية مباشرة من قوات الاحتلال.
وأضاف العزة أن الاحتلال يمارس مختلف أشكال القمع والتنكيل بحق الفلسطينيين، إلى جانب التضييق على مقومات الحياة اليومية، في محاولة لدفع السكان إلى مغادرة قراهم، تمهيدًا للسيطرة عليها وتوسيع المشاريع الاستيطانية فيها.
وأشار إلى أن حكومة الاحتلال كثفت خلال الفترة الأخيرة إنشاء البؤر الاستيطانية والبؤر الرعوية، خاصة في مناطق شمال الضفة، والأغوار، وجنوب الضفة الغربية، بالتزامن مع تصاعد الاعتداءات على المواطنين والمزارعين والمنشآت الاقتصادية، في سياسة تهدف إلى تفريغ هذه المناطق من سكانها الفلسطينيين.
ويرى العزة أن ما يحدث في الضفة الغربية يرقى إلى مستوى "التطهير العرقي والتهجير الممنهج"، موضحًا أن الاحتلال يسعى إلى تحقيق الأهداف ذاتها التي اتبعها في قطاع غزة، ولكن بأدوات مختلفة تعتمد على الاستيطان، والإرهاب المنظم، والضغط المستمر على السكان، بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية المباشرة وحدها.
ولفت إلى أن المخيمات الفلسطينية تواجه أيضًا مخاطر متزايدة، في ظل محاولات الاحتلال إعادة هندستها وطمس معالمها الوطنية، بما يستهدف قضية اللاجئين وحق العودة، معتبرًا أن الفلسطينيين يواجهون اليوم أخطر مرحلة منذ النكبة وبداية الاحتلال.
وبيّن أن القرى الواقعة في شمال الضفة، والأغوار، ومسافر يطا، وشرق وغرب رام الله، إضافة إلى قرى مثل بورين وغيرها، تتصدر قائمة المناطق المستهدفة، نظرًا لقربها من المستوطنات أو وقوعها في مناطق تسعى "إسرائيل" إلى فرض سيطرة كاملة عليها.
وأكد أن الهدف النهائي للاحتلال يتمثل في تهجير الفلسطينيين من أراضيهم وحسم الصراع ديمغرافيًا وجغرافيًا، وهو ما تعلنه، الأحزاب الإسرائيلية اليمينية المتطرفة، وفي مقدمتها الحكومة الحالية، التي تواصل توفير الغطاء السياسي والأمني للمستوطنين.
وفي مواجهة هذا الواقع، يرى العزة أن الأولوية الوطنية تتمثل في تشكيل قيادة وطنية فلسطينية موحدة تتبنى استراتيجية شاملة لمواجهة سياسات الاحتلال والاستيطان، وتوحد الجهود السياسية والشعبية والميدانية في إطار رؤية وطنية جامعة.
وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب إنشاء لجان حماية شعبية واسعة في مختلف القرى والبلدات، بمشاركة جميع مكونات الشعب الفلسطيني، لتوفير الحماية للأهالي وتعزيز صمودهم في مواجهة اعتداءات المستوطنين ومحاولات التهجير.
وأوضح أن تعزيز صمود المواطنين في أراضيهم يتطلب أيضًا توفير الدعم الرسمي والشعبي للقرى المهددة، وتكثيف الحضور الوطني فيها، بما يحد من مخاطر الاستيطان ويمنع فرض وقائع جديدة على الأرض.
وختم العزة بالتأكيد أن الفلسطينيين باتوا أحوج ما يكونون إلى قيادة وطنية موحدة تتبنى نهجًا موحدًا في مواجهة سياسات الاحتلال القائمة على الترهيب والتهجير، معتبرًا أن وحدة الموقف الفلسطيني تمثل الركيزة الأساسية لحماية القرى المهددة وتعزيز صمود سكانها في مواجهة المخططات الإسرائيلية الرامية إلى تغيير هوية الضفة الغربية وفرض واقع استيطاني دائم.