مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

الأزمة الاقتصادية تخنق جامعات غزة والطلاب أمام واقع مجهول

الرسالة نت - خاص

لا تقتصر الأزمة الاقتصادية في قطاع غزة على تراجع فرص العمل وانهيار مصادر الدخل وارتفاع أسعار السلع وإنما امتدت آثارها إلى مختلف مناحي الحياة وفي مقدمتها التعليم الجامعي الذي وجد نفسه في مواجهة واحدة من أصعب مراحله منذ عقود.
فالحرب أوقفت العملية التعليمية لفترات طويلة وألحقت أضرارا واسعة بمباني الجامعات ومختبراتها ومرافقها، فيما فقدت المؤسسات التعليمية جزءا من مواردها المالية وتراجعت قدرتها على تحصيل الرسوم، في وقت باتت فيه آلاف الأسر عاجزة عن تحمل تكاليف الدراسة أو حتى توفير أجرة المواصلات إلى الجامعة.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يواجه فيه المجتمع الغزي احتياجات إنسانية واقتصادية هائلة، إذ أصبحت الأولوية لدى كثير من الأسر منصبة على توفير الغذاء والمياه ووسائل الطهي والتدفئة والمأوى، في ظل ارتفاع كبير في الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
ووفق تقييم للبنك الدولي والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، تعرض الاقتصاد في غزة لانكماش حاد، فيما ارتفعت الأسعار بأكثر من 300% خلال عام وقفزت أسعار الغذاء بنحو 450%، وهو ما يفسر جانبا من الضغوط التي تواجهها الأسر في توفير احتياجاتها الأساسية فضلا عن تمويل تعليم أبنائها.
مستقبل غامض
وسط هذا الواقع، تقف الطالبة ليان عبد الله أمام مستقبل دراسي غامض، حيث فقدت والدها وشقيقها خلال الحرب، لكنها تمكنت رغم الظروف القاسية من إنهاء الثانوية العامة بمعدل 88%.
غير أن هذا النجاح الذي كان يفترض أن يكون بوابة نحو الجامعة اصطدم بواقع اقتصادي شديد القسوة، إذ تقول إنها لا تملك حتى أجرة الطريق التي تمكنها من الوصول إلى الجامعة لإتمام إجراءات التسجيل.
وتوضح ليان أن حلمها بمواصلة التعليم الجامعي بات مرتبطا بالحصول على منحة أو مساعدة مالية، مؤكدة أنه في حال لم تحصل على دعم يغطي رسوم التسجيل والدراسة، فلن تتمكن من الالتحاق بالجامعة.
وتقول إن التفوق الدراسي لم يعد وحده كافيا للوصول إلى التعليم العالي في ظل الظروف الاقتصادية التي يعيشها القطاع، مشيرة إلى أن كثيرا من الطلبة يواجهون المعضلة نفسها، حيث تتحول الرسوم الجامعية وتكاليف المواصلات إلى حواجز تحول دون استكمال مسيرتهم التعليمية.
وتضيف ليان أن الأسر في غزة أصبحت أمام أولويات يومية لا يمكن تأجيلها من توفير الطعام والمياه والحطب والاحتياجات الأساسية، خصوصا مع الارتفاع الفاحش في الأسعار.
وتقول إن ما يحدث لا يقتصر على تدمير المباني والمنشآت وإنما يمتد إلى مستقبل الجيل الجديد، معتبرة أن ما تصفه بـ"حرب الإبادة" ترك آثارا عميقة على التعليم أيضا، وأن "الإبادة ليست عسكرية فقط وإنما تعليمية أيضا"، في إشارة إلى فقدان آلاف الطلبة فرصهم في التعلم واستمرار مسيرتهم الأكاديمية.
وتكشف المعطيات الدولية حجم الضرر الذي أصاب قطاع التعليم العالي في غزة. فوفق تقييم لليونسكو أُنجز بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم العالي، تضرر 95% من حرم مؤسسات التعليم العالي، بينها 22 حرما دمر بالكامل و14 حرما تعرض لأضرار متفاوتة، كما تعرضت 195 منشأة من أصل 206 مبانٍ للتدمير أو لأضرار جسيمة جعلتها غير صالحة للعمل.
وشملت الخسائر أيضا المختبرات والمرافق المتخصصة والبنية التحتية التكنولوجية، في حين قدرت تكلفة الأضرار المباشرة في مؤسسات التعليم العالي بنحو 373 مليون دولار.
وطالت الخسائر أيضا الكادر الأكاديمي والقدرة المؤسسية على مواصلة التعليم، فقد أشار تقييم اليونسكو إلى أن 1112 من العاملين في مؤسسات التعليم العالي، أي نحو 22% من القوى العاملة التي شملها التقييم، قتلوا أو أصيبوا أو احتجزوا مع احتمال أن تكون الأرقام الفعلية أعلى.
وفي الوقت ذاته، غادر عدد من الأكاديميين القطاع إلى خارج فلسطين بينما يواصل بعضهم تقديم مساقات ومحاضرات عن بعد في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من استمرارية العملية التعليمية.
أما الأكاديميون الذين بقوا داخل غزة، فيواجهون هم أيضا ظروفا معيشية بالغة الصعوبة ويطالبون بالحد الأدنى من مقومات الحياة، في وقت لا تستطيع فيه معظم الكليات تغطية تكاليفها التشغيلية أو توفير دخل مستقر للعاملين فيها.
جامعات منهكة
في حين، يقول المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر إن أزمة الرسوم الجامعية في غزة لم تبدأ مع الحرب وإنما كانت موجودة قبلها نتيجة ارتفاع تكاليف التعليم مقارنة بدخول الأسر وغياب نموذج فعلي للتعليم الجامعي المجاني.
لكنه يوضح أن الحرب عمقت الأزمة إلى مستويات غير مسبوقة بعدما تراجعت قدرة الأسر على الإنفاق وأصبحت الاحتياجات الأساسية من الغذاء والمياه والمأوى والتدفئة تنافس التعليم على الموارد المحدودة. ويرى أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى عزوف أعداد متزايدة من الطلبة عن الالتحاق بالجامعات أو الانقطاع عنها.
ويشير أبو قمر إلى أن الجامعات نفسها تعيش أزمة مالية حادة، إذ تضررت بنيتها التحتية وتوقفت العملية التعليمية لفترات وارتفعت تكاليف التشغيل بينما تراجعت قدرتها على تحصيل الرسوم من الطلبة.
ويؤكد أن اعتماد المؤسسات الجامعية بدرجة كبيرة على الرسوم الدراسية جعلها أكثر هشاشة أمام الأزمات، خصوصا في ظل عدم قدرة الأسر على الدفع وتراجع مصادر التمويل والحاجة إلى توفير رواتب العاملين وتمويل عمليات الإصلاح والتطوير. ويعتبر أن هذا الواقع يعكس خللا بنيويا في منظومة تمويل التعليم العالي يحتاج إلى معالجة عاجلة.
ويرى أن دعم التعليم يجب أن يوجه مباشرة إلى الطلبة الأكثر احتياجا بالتوازي مع دعم الجامعات، لأن إنقاذ طرف واحد دون الآخر لن يكون كافيا. كما يدعو إلى زيادة المنح الخارجية وإطلاق حملات تبرع تستهدف الطلبة بصورة مباشرة، مع اعتماد آليات شفافة وعادلة في توزيع المساعدات.
ويطرح أبو قمر ضرورة إعادة تنظيم الجامعات إداريا وماليا ووضع نموذج تمويل يوازن بين قدرة المؤسسات التعليمية على الاستمرار وبين القدرة الاقتصادية للطلبة. ويؤكد أن مستقبل التعليم الجامعي في غزة يتطلب تدخلا عاجلا لمعالجة الأزمة المالية وإعادة بناء المؤسسات المتضررة ودعم الكوادر الأكاديمية وتوفير منح مستدامة للطلبة، محذرا من أن استمرار الأزمة سيترك آثارا طويلة المدى على رأس المال البشري في القطاع.
وفي ظل هذا المشهد، يرى الأكاديمي والمختص في مجال التعليم، إبراهيم أبو شعير، أن نجاح الطالب في الثانوية العامة يجب ألا يتحول إلى معيار وحيد لتحديد مستقبله، خصوصا في الظروف الاستثنائية التي يعيشها طلبة غزة.
ويؤكد أن اختيار التخصص ينبغي أن يقوم على معرفة قدرات الطالب وميوله إلى جانب دراسة احتياجات سوق العمل، بعيدا عن ضغط الأسرة أو النظرة الاجتماعية لبعض التخصصات. ويدعو الطلبة إلى الاستفادة من آراء المرشدين المهنيين والمختصين والخريجين الذين يمتلكون خبرة مباشرة في سوق العمل، مع متابعة فرص الوظائف والمنح والمهارات المطلوبة قبل اتخاذ القرار.
ويضيف أبو شعير أن المرحلة المقبلة في غزة ستفرض طلبا متزايدا على تخصصات ترتبط بالصحة والتأهيل والهندسة والمياه والطاقة وصيانة الأجهزة والزراعة والاتصالات واللوجستيات إلى جانب المجالات الرقمية مثل البرمجة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني، وهي مجالات يمكن أن توفر فرصا للعمل عن بعد خارج حدود السوق المحلي.

بث مباشر