تشهد الضفة الغربية تصعيدًا إسرائيليًا غير مسبوق، يتزامن مع مرحلة سياسية حساسة داخل الكيا ن وسط تقديرات متزايدة بأن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو يوظف التصعيد العسكري والاستيطاني لتحقيق أهداف تتجاوز البعد الأمني، لتشمل الحفاظ على تماسك ائتلافه الحكومي، وتعزيز موقعه في الانتخابات المرتقبة، في ظل تراجع شعبية حزب الليكود واشتداد المنافسة داخل معسكر اليمين.
وجاءت أحداث بلدة تل جنوب غرب نابلس لتسلط الضوء على طبيعة التصعيد المتسارع في الضفة الغربية، إذ تحولت القرية إلى بؤرة مواجهة بعد هجوم نفذه مستوطنون قرب البؤرة الاستيطانية "حفات جلعاد"، أعقبه إطلاق نار أسفر عن مقتل عسكريين إسرائيليين واستشهاد أربعة فلسطينيين، قبل أن يفرض الجيش الإسرائيلي حصارًا على المنطقة ويدفع بتعزيزات عسكرية إضافية إلى شمال الضفة الغربية.
ورغم أن الحكومة الإسرائيلية قدمت الأحداث باعتبارها تطورًا أمنيًا يستوجب توسيع العمليات العسكرية، فإنها سرعان ما تحولت إلى منصة لتصعيد الخطاب السياسي، حيث دعا نتنياهو ووزراء في حكومته إلى إرسال مزيد من القوات، وتشديد الإجراءات في الضفة الغربية، فيما طالب وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بإخلاء عدد من القرى الفلسطينية وتوسيع العمليات العسكرية، الأمر الذي اعتبره مراقبون استثمارًا سياسيًا للأحداث في ظل اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
الضفة ساحة المعركة السياسية
ويبدو ان الضفة الغربية تحولت إلى الساحة الأكثر ملاءمة أمام حكومة نتنياهو لفرض وقائع جديدة على الأرض، في وقت تفرض فيه الحسابات الدولية قيودًا على أي تصعيد واسع في جبهات أخرى، مثل إيران أو جنوب لبنان، بينما تستمر العمليات في قطاع غزة ضمن معادلات مختلفة.
كماأن تكثيف الاقتحامات العسكرية، وتسريع البناء الاستيطاني، وشرعنة البؤر الاستيطانية، ومنح المستوطنين مزيدًا من الامتيازات، تأتي ضمن سياسة تستهدف تعزيز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية، بالتوازي مع خدمة اعتبارات سياسية وانتخابية داخلية.
أولوية نتنياهو
تعتمد حكومة نتنياهو بصورة كبيرة على أحزاب اليمين المتطرف، وفي مقدمتها حزب الصهيونية الدينية بزعامة سموتريتش، وحزب القوة اليهودية بقيادة إيتمار بن غفير، اللذان يطالبان باستمرار بتوسيع الاستيطان وتشديد الإجراءات العسكرية ضد الفلسطينيين.
ويرى مراقبون أن نتنياهو يدرك أن أي تراجع عن هذه السياسات قد يهدد بقاء حكومته، لذلك يواصل تبني خطوات تتماشى مع أجندة شركائه، سواء عبر توسيع العمليات العسكرية أو تسريع مشاريع الاستيطان، بما يضمن استمرار دعمهم داخل الائتلاف ويحول دون انهيار الحكومة. وكسب اصوات المتطرفين في الانتخابات المقرر عقدها في أكتوبر المقبل.
التصعيد ورقة انتخابية
لا تقتصر دوافع التصعيد على حماية الحكومة، بل تمتد إلى حسابات انتخابية واضحة، خاصة مع تراجع حزب الليكود في استطلاعات الرأي الأخيرة، وصعود منافسين مثل غادي آيزنكوت ونفتالي بينيت، إضافة إلى تحسن موقع الأحزاب اليمينية المتشددة.
ويحاول نتنياهو استعادة ثقة ناخبي اليمين من خلال تقديم نفسه باعتباره الزعيم الأكثر قدرة على فرض الأمن وتنفيذ مشروع الاستيطان، وهي القضايا التي تشكل أولوية لدى قطاع واسع من جمهوره الانتخابي.
كما تشير استطلاعات الرأي إلى أن تراجع الليكود ترافق مع ارتفاع تمثيل الأحزاب اليمينية الأكثر تشددًا، الأمر الذي يدفع نتنياهو إلى تبني سياسات أكثر صرامة لمنع انتقال أصوات اليمين إلى منافسيه.
فرض وقائع ميدانية
كما تحاول الحكومة الإسرائيلية استغلال الظروف الحالية لفرض ما يوصف بسياسة "الضم الصامت"، عبر توسيع السيطرة الفعلية على الأراضي الفلسطينية دون إعلان رسمي للضم وتشمل هذه السياسة توسيع الاستيطان وشرعنة البؤر الاستيطانية, وتكثيف العمليات العسكرية داخل المدن والمخيمات الفلسطينية,زيادة عدد الحواجز والبوابات العسكرية بما يقيّد حركة الفلسطينيين, دعم المستوطنين وتوفير حماية سياسية وأمنية لهم,فرض تغييرات ديموغرافية وجغرافية تعقّد أي تسوية سياسية مستقبلية.
وتشير مجمل المؤشرات إلى أن التصعيد الإسرائيلي في الضفة الغربية لا يمكن تفسيره من زاوية أمنية فقط، بل يرتبط أيضًا بحسابات سياسية وانتخابية داخل إسرائيل. فالحفاظ على تماسك الائتلاف الحكومي، وإرضاء أحزاب اليمين المتطرف، واستعادة ثقة الناخبين، تبدو عوامل رئيسية تدفع حكومة نتنياهو إلى مواصلة سياسة التصعيد وتوسيع الاستيطان، بالتوازي مع فرض وقائع ميدانية جديدة قد تترك آثارًا بعيدة المدى على مستقبل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، في ظل استمرار الجدل حول العلاقة بين الاعتبارات الأمنية والأهداف السياسية للحكومة الإسرائيلية..