☰
✕

قائمة الموقع

 كيف توظف إسرائيل ارهاب المستوطنين  لتسريع مشروعها الاستيطاني في الضفة؟

2026-07-25T18:52:00+03:00
الرسالة نت - خاص

لم تعد اعتداءات المستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية تُقرأ بوصفها جرائم  منفصلة أو تجاوزات يرتكبها أفراد، بل باتت، وفق مؤشرات ميدانية وتقارير حقوقية وإسرائيلية، جزءًا من منظومة متكاملة تتداخل فيها أدوار المستوطنين والجيش والحكومة، بهدف إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية وفرض وقائع جديدة تمهد لتوسيع السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية.
وتكشف التطورات التي شهدتها محافظة نابلس، عقب مجزرة بلدة تل، عن هذا النمط بصورة واضحة؛ إذ تحولت هجمات المستوطنين خلال ساعات إلى مبرر لتوسيع العمليات العسكرية، وفرض إجراءات عقابية جماعية، وتسريع خطوات استيطانية جديدة، في مشهد يرى مراقبون أنه يجسد آلية متكررة تعتمدها الحكومة الإسرائيلية لربط الأحداث الأمنية بأجندتها الاستيطانية.
اعتداءات تمهد لخطوات ميدانية أوسع
أعقبت الجرائم التي ارتكبها مستوطنون على بلدة تل، جنوب غرب نابلس، وما تلاه من تطورات أمنية، سلسلة واسعة من الإجراءات الإسرائيلية شملت فرض حصار عسكري مشدد على المنطقة، وإغلاق مداخل القرى، وتنفيذ حملات دهم واعتقال، وقياس منازل تمهيدًا لهدمها، وتحويل منازل مدنية إلى مواقع عسكرية، إلى جانب تجريف الأراضي الزراعية واقتلاع مئات أشجار الزيتون.
وتزامنت هذه الإجراءات مع إقامة بؤرة استيطانية جديدة في محيط نابلس، وإعلان حكومة الاحتلال تسريع شرعنة البؤر الاستيطانية وتعزيز الوجود العسكري في الضفة الغربية، بما عكس، انتقالًا سريعًا من التعامل مع حدث ميداني إلى تنفيذ إجراءات تتجاوز نطاقه الجغرافي والزمني.
ويشير هذا المسار إلى أن الاعتداءات الميدانية لا تنتهي بانتهاء الهجوم، بل تتحول إلى مدخل لتوسيع السيطرة العسكرية والاستيطانية على المناطق الفلسطينية.
المستوطنون أداة تنفيذ للمشروع الاستيطاني
تكشف اعتداءات المستوطنين خلال السنوات الأخيرة تحولًا في طبيعتها وأهدافها. فإلى جانب الهجمات المسلحة، باتت تشمل إحراق المنازل والمركبات، واقتلاع الأشجار، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، والاستيلاء على المراعي، وإقامة بؤر استيطانية جديدة، في ممارسات تهدف إلى خلق بيئة طاردة للفلسطينيين، خصوصًا في المناطق المصنفة (ج).
ويبدو واضحا أن  الاعتداءات لم تعد أعمالًا عشوائية، وإنما جزء من سياسة منظمة تستهدف تهجير الفلسطينيين تدريجيًا وإفراغ مساحات واسعة من سكانها الأصليين. كما ان المستوطنين يعتمدون أساليب متعددة لإجبار الفلسطينيين على  التهجير القسري ، من بينها تدمير مصادر الرزق، وسرقة المواشي، وإغلاق المراعي، والاعتداء المتكرر على التجمعات البدوية، بما يجعل البقاء في تلك المناطق أكثر صعوبة مع مرور الوقت.
إعادة رسم الخريطة
بالتوازي مع تصاعد اعتداءات المستوطنين، تمضي الحكومة الإسرائيلية في تنفيذ مشاريع استيطانية واسعة، خاصة في شمال الضفة الغربية، ضمن رؤية تستهدف إعادة تشكيل الخارطة الجغرافية الفلسطينية.
وتشير معطيات المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان إلى وجود مخططات لإنشاء وتطوير 18 مستوطنة جديدة، إضافة إلى إعادة إحياء مستوطنات أُخليت عام 2005، وربطها بشبكات طرق استيطانية جديدة تفصل المدن والقرى الفلسطينية عن بعضها.
كما يجري العمل على إقامة مدينتين استيطانيتين جديدتين في محافظتي جنين وسلفيت، إلى جانب شق طرق التفافية جديدة تخدم المستوطنات، وشرعنة عشرات البؤر الرعوية التي تتحول تدريجيًا إلى مستوطنات دائمة.
وتهدف هذه المشاريع، إلى تحويل التجمعات الفلسطينية إلى معازل منفصلة، والحد من التوسع العمراني، وإضعاف التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية ووسطها وجنوبها.
تكامل بين الحكومة والجيش والمستوطنين
تكشف التطورات الميدانية عن مستوى متزايد من التنسيق بين الحكومة والجيش والمستوطنين، إذ غالبًا ما تُنفذ الاعتداءات تحت حماية قوات الاحتلال، أو يعقبها انتشار عسكري واسع وإجراءات عقابية تطال التجمعات الفلسطينية.
فعقب أحداث تل، صادقت الحكومة على توسيع العمليات العسكرية في الضفة الغربية، بينما أقر رئيس أركان الاحتلال خططًا لتوسيع العدوان في الضفة بالتزامن مع الدفع بتعزيزات عسكرية إضافية، في وقت استمرت فيه عمليات إنشاء البؤر الاستيطانية وتجريف الأراضي.
ويشير هذا التزامن،  إلى أن النشاط الاستيطاني لم يعد يتحرك بمعزل عن المؤسسة الرسمية، وإنما أصبح جزءًا من سياسة حكومية متكاملة تستخدم القوة العسكرية لتأمين التوسع الاستيطاني، بينما يوفر الاستيطان بدوره مبررات لاستمرار الانتشار العسكري.
وقائع تسبق الضم
وتشير معطيات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان إلى تنفيذ أكثر من 16 ألف اعتداء خلال النصف الأول من عام 2026، إلى جانب إقامة 42 بؤرة استيطانية جديدة، معظمها بؤر رعوية، في مؤشر على تسارع وتيرة السيطرة على الأراضي الفلسطينية.
كما صادقت الحكومة الإسرائيلية على إجراءات تسمح بتسجيل أراضٍ فلسطينية في المنطقة (ج) باعتبارها "أملاك دولة"، في خطوة ينظر إليها باعتبارها إحدى الأدوات القانونية لترسيخ السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة.
وفي المقابل، تؤكد الأمم المتحدة أن جميع المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتحذر من أن استمرار التوسع الاستيطاني يقوض فرص التسوية السياسية وحل الدولتين، فيما دعت المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي إلى توفير حماية دولية للفلسطينيين في ظل تصاعد هجمات المستوطنين.
سياسة متكاملة
وتكشف التطورات المتلاحقة في الضفة الغربية أن الاعتداءات التي ينفذها المستوطنون لم تعد مجرد أحداث أمنية، بل أصبحت إحدى الأدوات التنفيذية للمشروع الاستيطاني الإسرائيلي. فمن خلال الجمع بين العنف الميداني، والعقوبات الجماعية، والتوسع الاستيطاني، وشق الطرق، والسيطرة على الأراضي، تعمل إسرائيل على إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية وفرض واقع جديد يصعب تغييره مستقبلًا.
وفي ظل استمرار هذا المسار، تبدو محافظات شمال الضفة الغربية، ولا سيما نابلس وجنين وطولكرم والأغوار، ساحة رئيسية لتنفيذ هذه السياسة، التي تستهدف تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني، وتعزيز الكتل الاستيطانية، وترسيخ سيطرة إسرائيل على مساحات متزايدة من الأراضي، بما يقترب تدريجيًا من فرض الضم الفعلي على أجزاء واسعة من الضفة الغربية.

اخبار ذات صلة
فِي حُبِّ الشَّهِيدْ
2018-04-21T06:25:08+03:00