لقد كان صباح الجمعة في بلدة تل، جنوب غرب نابلس معجونا بدماء الشهداء؛ حيث خرج الأهالي على وقع صرخات الاستغاثة مع اقتحام عشرات المستوطنين أطراف البلدة، حين هاجموا المنازل والممتلكات تحت حماية قوات الاحتلال، لتتحول الساعات التالية إلى واحدة من أكثر المواجهات دموية في الضفة الغربية هذا العام.
مع اتساع الاعتداء، سارع سكان البلدة إلى الدفاع عن بيوتهم وأراضيهم. وبينما كان المستوطنون يهاجمون ويحرقون الممتلكات، انتشرت قوات الاحتلال لتأمينهم، قبل أن تنفجر مواجهات عنيفة استخدم خلالها الجنود والمستوطنون الرصاص الحي ضد الفلسطينيين.
كانت عائلة رمضان الأكثر وجعًا اليوم. ففي غضون وقت قصير، فقدت أربعة من أبنائها: فاروق عدنان علي رمضان، وإبراهيم حسين علي رمضان، وجواد حسين علي رمضان، وعمران أحمد علي رمضان، وهم شقيقان وابنا عم، ارتقوا شهداء خلال تصديهم للهجوم، فيما أُصيب عدد آخر من أبناء البلدة.
لكن الأحداث لم تتوقف عند هذا الحد. فمع احتدام الاشتباكات، أظهرت مقاطع فيديو متداولة الشهيد فاروق عدنان علي رمضان وهو يسيطر على سلاح أحد المهاجمين الإسرائيليين ويطلق النار خلال المواجهة التي أعقبت هجوم المستوطنين. وبعد دقائق، أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية مقتل إسرائيليين اثنين وإصابة آخرين في موقع الأحداث.
وسرعان ما تحولت تل إلى ثكنة عسكرية. فقد دفع جيش الاحتلال بتعزيزات كبيرة إلى المنطقة، وأغلق مدينة نابلس والقرى المحيطة بها، وشرع في عمليات تمشيط واسعة وسط دعوات إسرائيلية لتوسيع العمليات العسكرية في شمال الضفة الغربية.
غير أن ما جرى في تل لا يُقرأ بمعزل عن سياقه الأوسع. فالبلدة انضمت إلى قائمة طويلة من القرى الفلسطينية التي تواجه هجمات متكررة ينفذها المستوطنون تحت حماية قوات الاحتلال، في ظل تصاعد غير مسبوق للعنف في الضفة الغربية.
وأحداث تل هي حلقة جديدة في سلسلة اعتداءات آخذة في الاتساع. فوفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، وثّق أكثر من 870 اعتداءً نفذه مستوطنون ضد فلسطينيين منذ بداية عام 2026، استهدفت أكثر من 220 تجمعًا فلسطينيًا، بمعدل يقارب ستة اعتداءات يوميًا. وأسفرت هذه الهجمات عن سقوط ضحايا وإصابات وإحراق للمنازل والمركبات والأراضي الزراعية، فيما أصيب نحو 850 فلسطينيًا في سياق اعتداءات المستوطنين، بينهم نحو 690 أُصيبوا مباشرة على أيدي مستوطنين، في مشهد يعكس تحول عنف المستوطنين إلى واقع يومي يلاحق الفلسطينيين في مدنهم وقراهم، ويجعل ما شهدته بلدة تل امتدادًا لمسار متصاعد من الاعتداءات، تزداد كل يوم في ظل صمت العالم.