قائمة الموقع

بين اليتم والنزوح.. نور الهدى تحقق حلم والدها وتتفوق بـ99.7%

2026-07-24T14:29:00+03:00
الرسالة نت - خاص

لم تكن الطالبة نور الهدى سعيد عبد الدايم (18 عاماً) تنتظر إعلان نتائج الثانوية العامة وهي تستعيد ليالي السهر أو عدد الساعات التي أمضتها أمام شاشة الهاتف، بل كانت تستحضر رحلة كاملة من الفقد والنزوح والخوف.

وبدأت رحلة نور الهدى قبل ثمانية عشر عاماً حين فقدت والدها وهي لم تتجاوز عشرة أشهر من عمرها، واستمرت خلال الحرب الأخيرة التي سرقت منها بيتها وأمانها، وأخذت اثنين من أخوالها اللذين كبرا معها وكانا سنداً لها بعد رحيل والدها، لتنجح في النهاية بحصد معدل 99.7%، محققة المركز الثاني مكرر على مستوى قطاع غزة.

في كل محطة نزوح، كانت نور تجمع كتبها قبل أي شيء آخر، متنقلة بين بيت حانون وجباليا وغزة ودير البلح، حاملة معها حلماً واحداً لم تسمح للحرب بأن تنتزعه منها. لم يكن الوصول إلى الإنترنت أمراً مضموناً، ولا الكهرباء متوفرة، ولا المكان صالحاً للدراسة.

نور الهدى (18 عاماً)، وهي من سكان بيت حانون شمال قطاع غزة، تعيش اليوم نازحة في حي النصر بمدينة غزة، بعدما اضطرتها الحرب إلى مغادرة منزلها أكثر من مرة. وبينما يحتفي الجميع بنجاحها، تستعيد هي وصية والدها الشهيد الذي فقدته وهي لم تتجاوز عشرة أشهر من عمرها.

تقول نور الهدى إن والدها سعيد عبد الدايم استشهد خلال الحرب على غزة في السادس من كانون الثاني/يناير عام 2009، لكنها كبرت وهي تسمع من والدتها وأقاربها عن حلمه الكبير بأن تصبح ابنته البكر طبيبة.

وتضيف نور الهدى لـ "الرسالة نت": "كان والدي دائماً يقول: إن شاء الله نور تطلع دكتورة. اليوم أشعر أنني اقتربت من تحقيق وصيته، وسأواصل الطريق حتى أصل إلى كلية الطب".

لم يكن العام الدراسي سهلاً بالنسبة لها، فقد تنقلت مع أسرتها ثلاث مرات خلال فترة الثانوية العامة، من بيت حانون إلى جباليا، ثم إلى مدينة غزة، ومنها إلى دير البلح، قبل أن تعود مجدداً إلى غزة، وهو ما كان يستنزف أياماً طويلة من الدراسة في كل مرة.

وتوضح أن كل عملية نزوح كانت تعني خسارة نحو أسبوع كامل من المذاكرة، إلى جانب حالة الخوف التي كانت ترافقهم بسبب القصف المتواصل، مؤكدة أن أصعب اللحظات كانت عندما كانت الأحداث تدور بالقرب من أماكن نزوحهم.

وخلال فترة النزوح، أقامت الأسرة في خيمة نُصبت فوق سطح مبنى تابع لبلدية دير البلح، وكان السطح متصدعاً ومهدداً بالانهيار، وفي المكان ذاته استشهد أحد أخوالها، بينما فقدت خالها الآخر خلال الحرب أيضاً، أحدهما في شهر تموز والآخر في شهر كانون الثاني، بينما كانت في منتصف عامها الدراسي.

ورغم كل تلك الظروف، لم تسمح نور للحزن أن يهزمها، مؤكدة أن والدتها كانت السند الأكبر لها طوال السنوات الماضية، إلى جانب بقية أفراد عائلتها الذين أحاطوها بالدعم حتى تمكنت من مواصلة الدراسة.

وتصف تجربة التعليم الإلكتروني بأنها كانت واحدة من أصعب التحديات التي واجهتها، بسبب الانقطاع المتكرر للإنترنت، وغياب الكهرباء، واضطرارها للدراسة حتى ساعات المغرب بينما بطارية هاتفها تكاد تنفد، فضلاً عن ارتفاع تكلفة الدروس الخصوصية التي تجاوزت 360 شيقلاً، لكنها أصرت على الاستمرار.

وتقول إنها كانت تتابع مع معلميها كل خطوة في المنهاج، لكنها كانت تتمنى لو أُجريت الامتحانات وجاهياً.

وتستذكر أحد أكثر المواقف صعوبة خلال الامتحانات، عندما انقطع الاتصال بالإنترنت في الدقائق الأخيرة من امتحان التربية الإسلامية، الذي كانت مدته ساعة واحدة.

وتروي: "انقطع الإنترنت قبل نهاية الامتحان، وعدت إليه لاحقاً وتمكنت من تسليمه، لكنني بقيت طوال الفترة خائفة، خاصة أنه كان أول امتحان".

وتشير إلى أن منزل العائلة في بيت حانون تعرض للقصف، وأنهم حتى اليوم لا يعرفون حجم الأضرار التي لحقت به، في وقت فقدت فيه الأسرة الاستقرار منذ بداية الحرب.

ورغم كل ما مرت به، تؤكد نور أنها كانت واثقة من النتيجة، حتى إنها أخبرت أفراد أسرتها قبل إعلان النتائج بيوم واحد أنها تتوقع الحصول على معدل 99.7%، وهو ما تحقق بالفعل.

وتهدي نور نجاحها أولاً إلى والدتها، التي تحملت مسؤولية تربيتها وشقيقتها الصغرى وحدها طوال اثني عشر عاماً، ثم إلى روح والدها الذي ما زالت وصيته ترافقها، وإلى أخوالها الذين ربّوها وكانوا بالنسبة لها بمنزلة الإخوة، كما تهدي تفوقها إلى الشعب الفلسطيني.

ولا تخفي نور قلقها من مستقبلها الجامعي، إذ تحلم بدراسة الطب، لكنها ترى أن الجامعات في قطاع غزة تعيش ظروفاً استثنائية بسبب الدمار ووجود آلاف النازحين داخل بعضها، ما يجعل تحقيق حلمها مرتبطاً بالحصول على منحة دراسية خارج القطاع.

وتقول: "أتمنى أن أحصل على منحة لدراسة الطب، وأن أعيش في مكان أشعر فيه بالأمان بعيداً عن الرعب والتوتر، حتى أستطيع إكمال حلم والدي".

وفي رسالة وجهتها إلى طلبة الثانوية العامة، دعتهم إلى عدم الاستسلام مهما كانت الظروف قاسية، مؤكدة أن الإصرار هو الطريق الوحيد لتحقيق الأحلام.

وتختم قولها: "لا تجعلوا الظروف تؤثر عليكم، تحدوا الصعاب واصمدوا، فالذي يريد الوصول يصنع ظروفه بنفسه، مهما كانت الأوضاع التي نعيشها".

اخبار ذات صلة