مسابقة الرسالة الفئات الهشة مسابقة الرسالة الفئات الهشة

"بدأت العام باستشهاد أبي وإصابتي".. أحمد الهمص يروي رحلة التفوق من الخيمة إلى الأوائل

الرسالة نت - خاص

 لم تكن رحلة الطالب أحمد عمار الهمص نحو التفوق الدراسي رحلة اعتيادية، بل كانت مسيرة كُتبت تفاصيلها بين النزوح، والخيام، والإصابة، وفقد الأب، وانقطاع الكهرباء والإنترنت، لتتوج بحصوله على معدل 99.4% في الفرع العلمي، متحديًا حربًا حاولت أن تحاصر أحلامه كما حاصرت مدينته.
ينحدر أحمد من مدينة رفح، لكنه يعيش اليوم نازحًا في مواصي خان يونس، بعد أن أجبرته الحرب على مغادرة منزله. وبينما كان يستعد لخوض أهم مرحلة دراسية في حياته، تلقى الضربة الأقسى باستشهاد والده متأثرًا بإصابته في قصف (إسرائيلي)، قبل أن يتعرض هو الآخر لإصابة أدت إلى ثلاثة كسور في قدمه، أبعدته عن الدروس لأشهر.
ورغم ذلك، لم يسمح للظروف أن تهزمه.
يقول أحمد إن رحلة الثانوية العامة بدأت بالنسبة إليه بفقد والده في مايو/أيار 2025، ثم جاءت إصابته بعد أشهر لتزيد الطريق صعوبة، لكنه كان يستذكر دروسه من داخل خيمته خلال فترة العلاج، قبل أن يعود لاستكمال تعليمه بمجرد أن سمحت حالته الصحية بذلك.
ويستعيد اللحظات الأخيرة مع والده قائلاً إنهما التقيا قبل دقائق من القصف، وكان والده يطمئنه قائلاً: "لا تقلق... إذا احتجتني ستجدني في ظهرك." وبعد دقائق دوى انفجار عنيف، ليجده مصابًا بشظايا استقرت في دماغه، وظل إلى جواره ستة أيام في العناية المركزة قبل أن يفارق الحياة.
باستشهاد والده شعر أحمد أن الحياة تغيّرت دفعة واحدة، وأن عليه أن يكون سندًا لوالدته، وشقيقه، وأخواته الأربع، إلى جانب مسؤوليته تجاه مستقبله.
ويؤكد  أن استشهاد والده تحول إلى دافع لمواصلة الطريق الذي كان يتمناه له، قائلاً إن والده كان يحثه دائمًا على طلب العلم، وكان يحلم بأن يراه طبيبًا، ولذلك اعتبر تحقيق هذا المعدل وفاءً لوصيته، وبداية لتحقيق حلمه.
ولا تقتصر معاناة أحمد على الفقد والإصابة، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها آلاف الطلبة في قطاع غزة؛ إذ يتحدث عن النزوح المتكرر، وانعدام الكهرباء، وصعوبة الحصول على الإنترنت، واضطراره مع أسرته للانشغال بتوفير الماء والطعام ومتطلبات الحياة الأساسية، في وقت كان التعليم الإلكتروني شبه مستحيل بسبب انقطاع الخدمات الأساسية.
ويقول إن الخيام، وحر الصيف، واكتظاظ النازحين، لم تمنع طلبة غزة من التمسك بحقهم في التعليم، مضيفًا: "أبينا إلا أن نبقى منارة للعلم، فهذا ما تربينا عليه."
ولم يكن التفوق وليد الحرب فقط، فقد اعتاد أحمد التميز منذ سنوات الدراسة الأولى، إذ أنهى حفظ القرآن الكريم كاملًا وهو في الصف الثامن، وحصل في الصف التاسع على معدل 99.9%، كما بدأ دراسة السند المتصل في القرآن الكريم قبل دخوله المرحلة الثانوية.
ويرى أن حفظ القرآن الكريم وبر الوالدين والدعاء كانت من أهم أسباب توفيقه، مؤكدًا أن العلم والأخلاق هما الطريق الحقيقي لنهضة المجتمع.
ويطمح أحمد إلى دراسة الطب والتخصص في جراحة المخ والأعصاب، وهو حلم رافقه منذ طفولته، لكنه ازداد رسوخًا بعد إصابة والده في الدماغ وما شاهده من انهيار المنظومة الصحية ونقص الأطباء والإمكانات في قطاع غزة، آملاً أن يسهم مستقبلًا في علاج أبناء شعبه.
ويهدي أحمد تفوقه إلى روح والده، ووالدته، وإخوته، وكل أبناء الشعب الفلسطيني، موجهًا رسالة إلى العالم العربي دعا فيها إلى الوقوف إلى جانب غزة.
ويقول: "غزة لا تزال تنزف، وما يُروَّج عن توقف الحرب لا يعكس الحقيقة التي نعيشها يوميًا. نحن بحاجة إلى من يمد يد العون، ويساعد في إعادة إعمار ما دمرته الحرب، حتى يتمكن أهل غزة من استعادة حياتهم ومستقبلهم."
ويقول إن الاحتلال سعى إلى تدمير المدارس والجامعات والمستشفيات، لكنه لم يستطع تدمير إرادة الطلبة، مضيفًا: "في غزة تعلمنا أن العلم شكل من أشكال الصمود، وأن النجاح رسالة حياة في وجه الحرب."
في غزة، حيث تحاول الحرب أن تجعل الموت الخبر الوحيد، يواصل أحمد الهمص كتابة رواية مختلفة؛ رواية تقول إن طالبًا فقد والده، وأصيب، ودرس في خيمة، استطاع أن يحجز مقعدًا بين المتفوقين، وأن يحول وجعه إلى وعد بمستقبل أفضل.

بث مباشر