لم تكن الجامعات الفلسطينية في قطاع غزة بمنأى عن الدمار الذي خلّفته الحرب المستمرة منذ نحو ثلاثة أعوام، إذ تعرضت مبانيها وقاعاتها ومختبراتها ومرافقها الأكاديمية لاستهداف واسع، أدى إلى تدمير معظم البنية التحتية للتعليم العالي، وفرض واقعًا غير مسبوق على عشرات آلاف الطلبة وأعضاء الهيئات التدريسية.
وبينما لا تزال آثار الدمار ماثلة، تحاول الجامعات استعادة جزء من دورها الأكاديمي عبر التعليم المدمج، وإنشاء مساحات تعليمية مؤقتة، واستئجار مبانٍ بديلة، في محاولة للحفاظ على استمرارية العملية التعليمية واستقبال دفعات جديدة من طلبة الثانوية العامة.
ويؤكد الوكيل المساعد لشؤون التعليم العالي في وزارة التربية والتعليم العالي بقطاع غزة، الدكتور أحمد أبو ندى، أن قطاع التعليم العالي يواجه تحديات غير مسبوقة، مشيرًا إلى أن حجم الأضرار التي لحقت بالجامعات يجعل الحديث عن التعافي الكامل يحتاج إلى سنوات طويلة.
ويقول أبو ندى لـ "الرسالة نت"، إن الجامعات، رغم هذا الواقع، لم تتوقف عن بذل الجهود لاستئناف العملية التعليمية، معتمدّة عدة مسارات لضمان استمرار التعليم، كان أبرزها التعليم الإلكتروني، قبل أن تبدأ تدريجيًا بالعودة إلى التعليم الوجاهي، خاصة في المساقات العملية التي لا يمكن تدريسها عن بُعد.
وأوضح أن مؤسسات التعليم العالي عملت على حصر الأضرار التي لحقت بمبانيها، وشرعت في ترميم بعض المباني التي أخلاها النازحون، إلى جانب إنشاء مساحات تعليمية مؤقتة على شكل خيام، لاستيعاب الطلبة واستئناف الدراسة في ظل غياب البنية الجامعية الطبيعية.
وأضاف أن الجامعات لجأت كذلك إلى استخدام برامج المحاكاة الإلكترونية لتعويض جزء من التدريب العملي في التخصصات التطبيقية، فيما عززت التعاون والتكامل فيما بينها، إلى جانب التنسيق مع المؤسسات الحكومية للاستفادة من إمكاناتها في دعم العملية التعليمية.
وأشار إلى أن الوزارة تعمل حاليًا على تنفيذ مشروع شامل لحصر الأضرار التي لحقت بالتعليم العالي بالتعاون مع الجامعات، إلى جانب تطوير الكادر الأكاديمي، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، بما يسهم في تحسين جودة التعليم رغم الظروف الاستثنائية.
ويؤكد أبو ندى أن الوزارة تتجه نحو اعتماد التعليم المدمج باعتباره الخيار الأكثر واقعية في المرحلة الحالية، موضحًا أن العودة الكاملة إلى التعليم الوجاهي ما تزال غير ممكنة بسبب تدمير معظم المباني الجامعية.
وأضاف أن الوزارة شددت على ضرورة زيادة نسبة التعليم الوجاهي في المساقات التخصصية، مع اعتماد امتحانات حضورية لضمان جودة المخرجات التعليمية، سواء من خلال الاختبارات الإلكترونية داخل الحرم الجامعي أو الامتحانات الورقية متى توفرت الأوراق والقرطاسية.
وأوضح أن هذا التوجه جاء بعد ظهور تحديات كبيرة في آليات التقييم الإلكتروني، الأمر الذي استدعى تعزيز التقويم الوجاهي للحفاظ على مصداقية الشهادات الجامعية، مؤكدًا أن جامعات غزة تتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة، وتسعى الوزارة إلى الحفاظ على هذه المكانة رغم ظروف الحرب.
95% من المباني تضررت
وحول حجم الدمار، كشف أبو ندى أن نحو 95% من مباني الجامعات في قطاع غزة تعرضت للتدمير الكلي أو الجزئي، ما أدى إلى فقدان القاعات الدراسية والمختبرات والمكتبات والمرافق التعليمية، إضافة إلى استشهاد وإصابة عدد كبير من الأكاديميين وأعضاء الهيئات التدريسية، وهو ما انعكس بشكل مباشر على جودة العملية التعليمية.
وأضاف أن بعض الجامعات اضطرت إلى استئجار مبانٍ بديلة، كما فعلت جامعة فلسطين والكلية الجامعية، فيما ساهمت منظمة اليونسكو وعدد من المؤسسات الدولية في دعم إنشاء مساحات تعليمية مؤقتة لاستمرار الدراسة.
ولا تقتصر تحديات الجامعات على الدمار المادي، بل تمتد إلى الأزمة المالية التي تواجهها في ظل عجز آلاف الطلبة والخريجين عن تسديد الرسوم الدراسية.
ويشير أبو ندى إلى أن قيمة الرسوم الجامعية المستحقة على الطلبة والخريجين وصلت إلى نحو 50 مليون دولار، وهو رقم وصفه بـ"الفلكي"، مؤكدًا أن غالبية الطلبة غير قادرين على السداد نتيجة الأوضاع الاقتصادية الكارثية.
وأضاف أن الجامعات قدمت العديد من التسهيلات، منها السماح بتسديد جزء من الرسوم أو منح إفادات مؤقتة، إلا أن ذلك أثر على الوضع المالي للمؤسسات الأكاديمية، إذ يحصل بعض الخريجين على الوثائق المطلوبة دون استكمال سداد الرسوم، في وقت تحتاج فيه الجامعات إلى السيولة لتغطية نفقاتها التشغيلية.
الاستعداد لطلبة الثانوية
وبالتزامن مع قرب إعلان نتائج الثانوية العامة، أكد أبو ندى أن الوزارة أنهت تحديث تعليمات القبول والتسجيل في مختلف التخصصات، بما يتوافق مع المتغيرات التي فرضتها الحرب.
وأوضح أن الوزارة أعدت بوابة إلكترونية جديدة للمرشد الأكاديمي، سيتم إطلاقها بالتزامن مع إعلان النتائج، وتتضمن جميع التخصصات المعتمدة، ومفاتيح القبول، وآليات التسجيل في الجامعات الفلسطينية، بما يضمن التحاق الطلبة ببرامج معترف بها رسميًا.
وأشار إلى أن الوزارة ستخصص كذلك أرقامًا هاتفية للرد على استفسارات الطلبة وأولياء الأمور، داعيًا الطلبة إلى الالتزام بالتخصصات المعتمدة كما أعلنتها وزارة التربية والتعليم، وعدم الانسياق وراء أي برامج غير معترف بها.
وأكد أن الجامعات بدأت بالفعل استعداداتها لاستقبال الطلبة الجدد، رغم الظروف الصعبة، من خلال تجهيز المساحات التعليمية المؤقتة، وتحديث البرامج الأكاديمية بما ينسجم مع نظام التعليم المدمج.
واختتم أبو ندى حديثه بتوجيه نداء عاجل إلى المانحين والمؤسسات الدولية والأمم المتحدة لدعم قطاع التعليم العالي في غزة، عبر المساهمة في إنشاء مساحات تعليمية مؤقتة، وتمويل برامج المحاكاة والتدريب العملي، ودعم فك قيود الشهادات الجامعية للخريجين غير القادرين على سداد الرسوم.