قائمة الموقع

أزمة الوقود بالضفة.. اقتصاد رهينة المورد الإسرائيلي وغياب المخزون

2026-07-23T00:08:00+03:00
الرسالة نت- خاص

تدخل أزمة الوقود في محافظات الضفة الغربية مرحلة جديدة تكشف هشاشة منظومة الطاقة الفلسطينية بعدما تحولت صعوبة توفير المحروقات من أزمة عابرة في محطات الوقود إلى ضغط اقتصادي ومعيشي يطال قطاعات النقل والعمل والإنتاج وحركة المواطنين.

وبينما تتكدس السيارات أمام المحطات وتضطر بعض المنشآت إلى تقنين البيع، تبدو الأزمة في جوهرها أكبر من مجرد نقص مؤقت في كميات البنزين والسولار إذ ترتبط بقدرة الاقتصاد الفلسطيني المحدودة على تأمين احتياجاته الأساسية في ظل أزمة مالية خانقة وقيود سياسية ولوجستية متراكمة.

وتتداخل في المشهد عوامل عدة، أبرزها احتجاز إسرائيل أموال المقاصة الفلسطينية وتفاقم أزمة السيولة النقدية وتراكم فائض الشيكل في المصارف الفلسطينية إلى جانب ارتفاع مديونية هيئة البترول للشركات الموردة.

خلل هيكلي

ونتيجة لذلك، تتراجع قدرة السوق الفلسطينية على تمويل مشتريات الوقود بانتظام بينما تؤدي المخاوف من استمرار الأزمة والشائعات حول الإمدادات إلى زيادة الطلب والتخزين، ما يفاقم الضغط على الكميات المتاحة ويخلق حلقة مفرغة من نقص المعروض وارتفاع الطلب.

لكن البعد الأكثر خطورة في الأزمة الحالية يتجاوز تداعياتها المباشرة ليكشف خللا هيكليا في منظومة الطاقة الفلسطينية. فمنذ توقيع بروتوكول باريس الاقتصادي عام 1994 بقي قطاع الوقود الفلسطيني مرتبطا بدرجة كبيرة بالمورد الإسرائيلي في ظل غياب مخزون استراتيجي قادر على امتصاص الصدمات ومحدودية القدرة على الاستيراد المباشر من أسواق بديلة.

وبذلك تصبح أي أزمة سياسية أو مالية أو عسكرية عاملا قادرا على التأثير سريعا في تدفق الوقود، لتتكرر الأزمات دون بناء شبكة أمان حقيقية تحمي الاقتصاد والمستهلكين من اضطرابات الإمدادات.

بدوره، يرى أمين سر نقابة أصحاب محطات المحروقات في الضفة الغربية، خالد السراحنة، أن جوهر الأزمة الحالية يرتبط أساسا بالأزمة المالية الناتجة عن احتجاز إسرائيل أموال المقاصة، باعتبارها مصدرا رئيسيا لتمويل مشتريات الوقود عبر وزارة المالية وهيئة البترول.

ويؤكد السراحنة أن اضطرابات سلاسل التوريد العالمية، رغم تأثيرها، تبقى عاملا ثانويا مقارنة بالمشكلة المالية الداخلية التي انعكست على قدرة الجهات الفلسطينية على الوفاء بالتزاماتها المالية وتمويل عمليات شراء المحروقات بالكميات المطلوبة.

ومع استمرار هذا الوضع، تجد السوق نفسها أمام معادلة شديدة الحساسية، إذ إن أي تأخير في التدفقات المالية يمكن أن ينعكس سريعا على عمليات التوريد، في اقتصاد لا يمتلك مخزونا استراتيجيا كافيا لتعويض النقص.

ويشير السراحنة إلى أن الشائعات والاندفاع الجماعي نحو محطات الوقود أسهما في تفاقم الأزمة، موضحا أن توريد المحروقات لم يتوقف بالكامل حتى خلال ذروة الحرب وإن كانت الكميات قد تراجعت.

ودفع ذلك بعض المحطات إلى تقنين عمليات البيع بهدف توزيع الكميات المتوفرة على أكبر عدد ممكن من المواطنين، فيما سمحت بعض المحطات بتعبئة الغالونات في حالات إنسانية استثنائية، رغم مخالفة ذلك تعليمات السلامة.

ويعكس هذا السلوك حجم القلق في الشارع لكنه في الوقت نفسه يزيد الضغط على السوق إذ يتحول الخوف من نقص الوقود إلى عامل يسرّع استنزاف الكميات المتاحة ويعمّق الأزمة.

وتتخذ المشكلة بعدا ماليا أكثر تعقيدا مع تراكم ديون هيئة البترول للشركات الإسرائيلية والتي بلغت نحو 3 مليارات شيكل، وفق السراحنة.

أزمة إمدادات

وتقوم الشركات الموردة، بحسب المعطيات المتاحة، باقتطاع جزء من المدفوعات لسداد ديون سابقة ما يؤدي إلى تقليص الأموال المتاحة لشراء كميات جديدة، وبالتالي انخفاض حجم الوقود الذي يصل فعليا إلى السوق الفلسطينية.

وفي ظل هذا الواقع، تصبح الأزمة المالية عاملا مباشرا في أزمة الإمدادات بينما يؤدي ضعف التدفق النقدي إلى إضعاف قدرة القطاع على استعادة انتظامه بسرعة حتى في حال تحسن التوريد.

وتتفاقم الضغوط مع استمرار أزمة فائض الشيكل في المصارف الفلسطينية في ظل صعوبة تحويل السيولة المتراكمة إلى البنوك الإسرائيلية، الأمر الذي يحد من قدرة محطات الوقود والجهات المعنية على إيداع الأموال وتسديد قيمة المشتريات.

ويضطر بعض العاملين في القطاع إلى اللجوء إلى تحويل الشيكل إلى عملات أخرى عبر محال الصرافة لتأمين السيولة، ما يحملهم خسائر إضافية بسبب فروق أسعار الصرف.

وفي حالات أخرى، تجد محطات نفسها عاجزة عن توفير الأموال اللازمة لشراء الوقود ما يهدد باستمرار الاضطراب ويكشف مدى ارتباط قطاع الطاقة بالمشكلة النقدية الأوسع التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطيني.

وفي المقابل، أعلن رئيس هيئة البترول الفلسطينية، مجدي الحسن، أن عمليات توريد المحروقات ستعود تدريجيا إلى معدلاتها الطبيعية، بحدود 3 ملايين لتر يوميا، موضحاً أن الأزمة جاءت نتيجة تداخل عدة عوامل، من بينها أزمة الشيكل والقيود الإسرائيلية والتحديات اللوجستية المرتبطة بالحرب في المنطقة، إلى جانب أزمة السيولة التي تواجهها الهيئة.

ويعكس هذا التصريح محاولة لطمأنة السوق إلى أن الأزمة الحالية ذات طابع مؤقت وقابلة للاحتواء خصوصا مع توقع تحسن تدفق الإمدادات خلال الأيام المقبلة.

ودعا الحسن المواطنين إلى عدم التهافت على محطات الوقود، مؤكدا أن الإمدادات ستتحسن تدريجيا. غير أن عودة التوريد إلى مستوياته الطبيعية في حال تحققت، لن تعالج بالضرورة أصل المشكلة، إذ إن الأزمة الحالية أعادت إلى الواجهة سؤالا اقتصاديا أوسع يتعلق بمدى قدرة السلطة الفلسطينية على بناء منظومة طاقة أكثر استقلالا وقدرة على مواجهة الصدمات.

فغياب مخزون استراتيجي والاعتماد شبه الكامل على المورد الإسرائيلي والقيود المفروضة على خيارات الاستيراد والتخزين تجعل قطاع الوقود عرضة باستمرار للتقلبات السياسية والمالية.

ولذلك، فإن تجاوز الأزمة الراهنة لا ينبغي أن يقتصر على إعادة ضخ الكميات إلى المحطات بل يتطلب معالجة جذور الهشاشة عبر تعزيز المخزون الاستراتيجي وتنويع مصادر التوريد وتطوير آليات مالية ونقدية أكثر قدرة على حماية سلاسل الإمداد، حتى لا تتحول كل أزمة سياسية أو مالية جديدة إلى أزمة وقود تضرب الاقتصاد والحياة اليومية في الضفة الغربية.

اخبار ذات صلة