في محاولة لتقديم صورة مغايرة للواقع الإنساني والاقتصادي في قطاع غزة، نشرت صفحة "إسرائيل تتكلم بالعربية" رواية تزعم أن المخزون الغذائي داخل القطاع بات يفوق مستواه قبل الحرب، وأن نحو 1.8 مليون طن من المواد الغذائية دخلت غزة منذ بدء وقف إطلاق النار، إلى جانب آلاف الشاحنات التي تدخل أسبوعيا محملة بمختلف أنواع الأغذية.
وذهبت الصفحة إلى أبعد من ذلك بالقول إن هذه الكميات تتجاوز الاحتياجات الإنسانية وفق المعايير التي يعتمدها برنامج الأغذية العالمي، وإن الحديث عن وجود نقص في المواد الغذائية داخل القطاع لا يعدو كونه "ادعاءات ومعلومات غير صحيحة".
غير أن تفكيك هذه الرواية يبدأ من السؤال الأكثر أهمية، هل يمكن اعتبار كل شاحنة تدخل قطاع غزة شاحنة مساعدات غذائية، وهل يكفي عد الشاحنات لإثبات وجود وفرة في الغذاء؟
أرقام مضللة
الأرقام الرسمية لحركة الشاحنات الواردة عبر معبر كرم أبو سالم خلال الفترة من 1 إلى 11 يوليو/ تموز الجاري تقدم صورة أكثر تعقيدا بكثير من الرواية التي تحاول اختزال الأزمة في رقم إجمالي للشاحنات.
فخلال 11 يوما، بلغ إجمالي الشاحنات الواردة 2153 شاحنة بينها 1088 شاحنة تجارية و987 شاحنة مساعدات، إضافة إلى 45 شاحنة سولار و33 شاحنة غاز.
وبذلك، فإن مجرد جمع أعداد الشاحنات وتقديمها باعتبارها دليلا على وفرة غذائية لا يقدم صورة دقيقة عن طبيعة السلع التي دخلت ولا عن حجمها ولا عن قدرتها على تلبية احتياجات السكان.
وتكشف هذه الأرقام، عند قراءتها بعيدا عن الدعاية الرقمية، أن الحديث عن "آلاف الشاحنات أسبوعيا" يحتاج إلى تدقيق في طبيعة هذه الشاحنات ومحتوياتها، لا الاكتفاء بعدها.
كما أن الادعاء بوجود مخزون غذائي يتجاوز الاحتياجات الإنسانية لا يمكن إثباته بمجرد احتساب إجمالي الشاحنات وإنما يتطلب بيانات دقيقة حول الكميات الفعلية من المواد الغذائية الأساسية ومعدل الاستهلاك اليومي وعدد السكان ومستويات الفقر والقدرة الشرائية ومدى انتظام وصول المساعدات وتوزيعها.
ولعل وجود السلع عند المعبر أو دخولها إلى القطاع لا يعني بالضرورة وصولها إلى جميع الأسر المحتاجة، كما أن دخول شاحنات تجارية باهظة الثمن لا يساوي تلقائيا دخول مساعدات إنسانية مجانية.
وبحسب البيانات نفسها، فإن عدد الشاحنات التجارية البالغ 1088 شاحنة خلال 11 يوما لا يمكن التعامل معه باعتباره رقما صافيا للمواد الغذائية الأساسية. فهذه الشاحنات تضمنت 316 شاحنة للخضار والفواكه و131 شاحنة للمشروبات والعصائر و123 شاحنة للبسكويت والشوكولاتة و101 شاحنة للمجمدات و92 شاحنة مصنفة ضمن المواد الغذائية، إلى جانب 56 شاحنة للأدوات المنزلية و42 شاحنة للمنظفات و37 شاحنة للزيوت النباتية.
والأهم أن سردية "وفرة الغذاء" تتجاهل الفرق بين حجم حركة التجارة ومستوى الأمن الغذائي. فالشاحنة التجارية تختلف عن شاحنة مساعدات والسلعة الموجودة في السوق ليست بالضرورة متاحة لجميع السكان، كما أن ارتفاع عدد الشاحنات لا يعني بالضرورة انخفاض الأسعار أو تحسن القدرة الشرائية بسبب سياسة التنسيقات بآلاف الشواكل.
هندسة التجويع
بدوره، يرى المختص في الشأن الاقتصادي أحمد أبو قمر أن ما يجري لا يمكن فصله عن سياسة أوسع تقوم على "هندسة التجويع" بالتوازي مع إنتاج سردية إعلامية تحاول استخدام دخول السلع إلى القطاع لإظهار أن الأزمة الإنسانية قد انتهت.
ويقول أبو قمر إن إدخال كميات من البضائع لا يعني بالضرورة أن السكان حصلوا على احتياجاتهم الغذائية، مشيرا إلى ضرورة التمييز بين المساعدات الإنسانية وبين الواردات التجارية التي تدخل السوق وتخضع لآليات البيع والشراء والأسعار والقدرة الشرائية.
ويضيف: "زيادة أعداد الشاحنات التجارية على حساب المساعدات تأتي في ظل مؤشرات اقتصادية سلبية يعيشها القطاع، حيث أن متوسط ما يدخل يوميا يقدر بنحو 200 شاحنة مع نسبة تقارب 70% للشاحنات التجارية مقابل 30% للمساعدات".
ويلفت إلى أن تقديم إجمالي الشاحنات باعتباره مؤشرا على تحسن الوضع الإنساني يتجاهل طبيعة هذه الحركة وتركيبتها، إذ إن الشاحنات التجارية لا تؤدي الوظيفة نفسها التي تؤديها المساعدات الإنسانية، ولا تصل إلى الفئات الأكثر احتياجا في ظل ضعف شديد على القدرة الشرائية.
ويعتبر أبو قمر أن المشكلة لا تتعلق فقط بعدد الشاحنات وإنما أيضا بآلية إدارة السوق والوصول إلى السلع. ويؤكد أن إسرائيل تكرس سياسة الاحتكار بطريقة ممنهجة عبر عدد محدود من التجار، مع فرض ما رسوم "تنسيق" مرتفعة على الشاحنات، تتجاوز 200 ألف شيكل للشاحنة الواحدة، وقد تصل في بعض الحالات إلى مليون شيكل.
ويشدد على أن هذه التكاليف تنعكس على أسعار السلع النهائية، بما يجعل مجرد دخول البضائع إلى القطاع غير كافٍ للقول إن السكان قادرون فعليا على الحصول عليها.
ويخلص أبو قمر إلى أن استمرار ارتفاع الأسعار بالتزامن مع مستويات الفقر والبطالة التي يقدرها بأكثر من 90% للفقر و80% للبطالة، يجعل الحديث عن "وفرة غذائية" منفصلة عن القدرة الشرائية للسكان قراءة غير مكتملة للمشهد الاقتصادي.