تتفاقم أوضاع الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي في ظل استمرار سياسات التضييق والقمع والمعاملة القاسية، وسط تقارير حقوقية متواصلة تتحدث عن انتهاكات تمس أبسط حقوق المحتجزين، بدءا من ظروف الاحتجاز الصعبة مرورا بالتعذيب وسوء المعاملة وصولا إلى الإهمال الطبي والحرمان من الرعاية الصحية.
وازدادت حدة هذه الانتهاكات منذ اندلاع حرب الإبادة على غزة، في ظل تشديد القيود على الأسرى ومنع الزيارات والمحامين في فترات مختلفة، بما عمّق من عزلتهم وقلل من فرص توثيق ما يتعرضون له.
وتبرز قضية الاعتقال الإداري بوصفها واحدة من أكثر الملفات إثارة للقلق، إذ يحتجز فلسطينيون لفترات قابلة للتجديد من دون توجيه تهم واضحة أو إحالتهم إلى محاكمة تتيح لهم ممارسة حقهم في الدفاع عن أنفسهم.
ويثير هذا الإجراء انتقادات حقوقية واسعة باعتباره يمس ضمانات المحاكمة العادلة ويحرم المعتقل من معرفة أسباب احتجازه بصورة كاملة، فضلا عن صعوبة الطعن الفعلي في الأدلة التي تبنى عليها قرارات الاعتقال، ما يجعل المحتجزين عرضة للاحتجاز المطول دون مسار قضائي مكتمل.
تعذيب وإهمال
وتتضاعف المعاناة الإنسانية بين فئات الأسرى الأكثر هشاشة وفي مقدمتهم الأطفال والنساء والمرضى، في ظل ظروف احتجاز قاسية وما يرافقها من حرمان من العلاج أو التأخر في تقديم الرعاية الطبية.
كما توثق مؤسسات حقوقية فلسطينية حالات وفاة لأسرى داخل السجون ومراكز الاحتجاز، وسط اتهامات بالتعذيب والإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز.
وتؤكد هذه المعطيات الحاجة الملحة إلى ضمان حقوق المعتقلين وتمكينهم من معرفة التهم الموجهة إليهم والحصول على المساعدة القانونية والاتصال بمحامين والخضوع لمحاكمات عادلة وشفافة، إلى جانب السماح للجهات الحقوقية المستقلة بالوصول إلى أماكن الاحتجاز للتحقق من أوضاعهم.
ويروي الأسير المحرر إسماعيل زياد جانبا من تجربته داخل سجون الاحتلال حيث أمضى أكثر من ثمانية أشهر في الاحتجاز، مؤكدا أن النوم كان شبه غائب عن حياة الأسرى، في ظل ما وصفه بحالات متكررة من الضرب والقمع والإيذاء الجسدي والنفسي.
ويقول زياد إن الأسرى عاشوا تحت ضغط مستمر دون أن يشعروا بالأمان أو الاستقرار، فيما تحولت عمليات الاعتداء والتنكيل إلى جزء متكرر من الحياة اليومية داخل السجن.
ويضيف: "ظروف المعيشة كانت بالغة القسوة، وكميات الطعام التي كانت تقدم للأسرى قليلة جدا ولا تكفي طوال اليوم، في وقت كانت فيه حتى الاحتياجات الأساسية تخضع لقيود مشددة".
ويوضح أن استخدام الحمام لم يكن متاحا بصورة طبيعية، إذ كان يسمح للأسير بدخول الحمام لفترة لا تتجاوز دقيقتين يوميا، الأمر الذي زاد من معاناة المحتجزين وأفقدهم أبسط مظاهر الحياة الإنسانية داخل أماكن الاحتجاز.
ويتحدث الأسير المحرر كذلك عن استمرار ما يعرف بعمليات "الشبح"، التي قال إنها تركت آثارا جسدية طويلة الأمد ولا سيما على المفاصل، مؤكدا أنه لا يزال يعاني من تبعاتها حتى بعد الإفراج عنه.
ويصف زياد ما عاشه الأسرى خلال فترة الحرب بأنه يفوق القدرة على الوصف، معتبرا أن ما يتعرض له المعتقلون في تلك المرحلة يمثل معاناة إنسانية بالغة القسوة، تجمع بين التعذيب والضغط النفسي والحرمان من الاحتياجات الأساسية، في ظروف تتطلب توثيقا ومساءلة ومراقبة مستقلة.
أشكال من التعذيب
بدوره، حذر مركز الميزان لحقوق الإنسان من تصاعد الانتهاكات التي يتعرض لها المعتقلون الفلسطينيون داخل السجون ومراكز الاحتجاز الإسرائيلية، مشيرا إلى أن ظروف الحرب على قطاع غزة انعكست بصورة مباشرة على واقع الأسرى، الذين يواجهون، وفق إفادات حقوقية، أشكالا متعددة من التعذيب والمعاملة القاسية وظروف الاحتجاز التي تهدد حياتهم وسلامتهم الجسدية والنفسية.
ويرى المركز أن الانتهاكات لم تعد حالات معزولة وإنما باتت تثير مخاوف متزايدة من وجود أنماط متكررة تستدعي تحقيقا مستقلا وشفافا.
وأشار إلى استمرار حجب معلومات مهمة تتعلق بأوضاع المعتقلين إلى جانب القيود المفروضة على وصول الجهات الدولية المستقلة إلى السجون ومراكز الاحتجاز، الأمر الذي يحد من قدرة المؤسسات الحقوقية على التحقق المباشر من أوضاع الأسرى.
وفي المقابل، تكشف الإفادات التي جمعها محامون خلال زياراتهم لبعض المعتقلين إلى جانب المعلومات المتداولة حول وفاة محتجزين فلسطينيين، عن مؤشرات على تعرض بعضهم للتعذيب الشديد وسوء المعاملة، بما يثير تساؤلات جدية حول ملابسات الوفيات وما إذا كانت بعض الحالات قد نجمت عن التعذيب أو الإهمال أو أفعال أدت إلى الموت.
وفي هذا السياق، أشار مركز الميزان إلى تقرير نشرته صحيفة "هآرتس" في 17 يوليو الجاري حول فتح عشرات التحقيقات في وفيات وقعت خلال احتجاز معتقلين، من دون أن تفضي تلك التحقيقات، بحسب المعطيات الواردة، إلى تقديم لوائح اتهام بحق مسؤولين.
في حين، قال نادي الأسير الفلسطيني إن سلطات السجون الإسرائيلية كثفت خلال الأشهر الأخيرة، استخدام الرصاص المطاطي ضد الأسرى، معتبرا أن هذا الأسلوب تحول إلى وسيلة عقابية متكررة ومنظمة.
وأوضح النادي أن المؤسسات الحقوقية تمكنت من توثيق إصابات تعرض لها عدد من الأسرى، فيما يعتقد أن الحالات الفعلية قد تكون أكبر من الأرقام المتاحة، بسبب القيود المفروضة على الزيارات والعزلة التي يعيشها كثير من الأسرى، والتي تعرقل وصول المحامين والمؤسسات المختصة إلى عدد كبير منهم وتحد من إمكانات توثيق الانتهاكات.
وبحسب إفادات تابعها النادي، تعرض أسرى لإصابات بالغة جراء إطلاق الرصاص المطاطي، شملت نزيفا حادا في الأطراف ومناطق حساسة من أجسادهم واضطر بعض المصابين إلى الخضوع لعمليات جراحية.
كما أفادت إحدى الحالات بأن أطباء أبلغوا أحد الأسرى بإمكانية اضطراره إلى بتر أحد أطرافه بسبب خطورة الإصابة والتعقيدات الصحية الناتجة عنها.
وفي الوقت نفسه، يواجه عدد من الأسرى المصابين، وفق النادي، صعوبات في الحصول على الرعاية الطبية والمتابعة المتخصصة، ما يفاقم أوضاعهم الصحية ويثير مخاوف من تحول الحرمان من العلاج إلى عامل إضافي يهدد حياتهم.