لم يبدأ اسم خليل الحية من قاعات السياسة، ولا من منصات المؤتمرات، بل من أزقة حي الشجاعية شرق مدينة غزة، حيث ولد عام 1960، في حي ظل لعقود أحد أكثر أحياء القطاع احتكاكًا مع الاحتلال، ليكبر وسط واقعٍ صنع شخصيته، وجعل السياسة والمواجهة جزءًا من تفاصيل حياته اليومية.
اليوم، وبعد انتخابه رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس، ينتقل الحية إلى أعلى موقع سياسي في الحركة، لكنه يصل إليه محمّلًا بسيرة طويلة لا تقتصر على العمل التنظيمي، بل تمتد إلى خسائر إنسانية قاسية عاشها مع أسرته على مدار سنوات الصراع.
طفل نشأ تحت الاحتلال
كان الحية في السابعة من عمره عندما احتُل قطاع غزة عام 1967. كبر وهو يشاهد الاقتحامات والاعتقالات التي طالت محيطه وعائلته، وهو ما ترك أثرًا مبكرًا في وعيه السياسي، قبل أن يلتحق بالحركة الإسلامية في مطلع ثمانينيات القرن الماضي على يد الشيخ أحمد ياسين، أحد مؤسسي حركة حماس.
أنهى دراسته الأساسية والثانوية في مدارس مدينة غزة، ثم التحق بالجامعة الإسلامية، حيث حصل على درجة البكالوريوس في أصول الدين عام 1983، قبل أن ينال الماجستير من الجامعة الأردنية، ثم الدكتوراه في السنة وعلوم الحديث من جامعة القرآن الكريم والعلوم الإسلامية في السودان، جامعًا بين العمل الأكاديمي والنشاط الدعوي والسياسي.
من الجامعة إلى قيادة الحركة
داخل الجامعة الإسلامية، لم يكن الحية مجرد طالب، بل برز في العمل الطلابي والنقابي، ثم عمل معيدًا وأستاذًا، قبل أن يتولى لاحقًا عمادة شؤون الطلبة. ومع تأسيس حركة حماس عام 1987، كان من أوائل المنخرطين في صفوفها، لتتدرج مسؤولياته بين العمل التنظيمي والسياسي والعمل البرلماني، بعد فوزه بعضوية المجلس التشريعي الفلسطيني عام 2006.
وبمرور السنوات، أصبح أحد أبرز وجوه الحركة، وشارك في ملفات المصالحة الفلسطينية، واتفاقات التهدئة، ثم تولى قيادة وفد حماس في المفاوضات غير المباشرة المتعلقة بوقف إطلاق النار وصفقات تبادل الأسرى، ليصبح أحد أكثر قادة الحركة حضورًا في المشهد السياسي الإقليمي.
منزل تحول إلى هدف
لكن حياة الحية لم تكن سلسلة من المناصب فقط.
في عام 2007 تعرض منزله في حي الشجاعية لقصف إسرائيلي خلال محاولة لاغتياله، ما أدى إلى مقتل عدد من أفراد أسرته وإصابته بجروح، في واحدة من أقسى المحطات التي عاشها. ورغم ذلك، عاد إلى ممارسة نشاطه السياسي بعد فترة قصيرة.
ولم تكن تلك الخسارة الأخيرة.
أبٌ فقد أبناءه... وجدٌ فقد أحفاده
في عام 2008 استشهد نجله حمزة.
ثم جاءت حرب عام 2014 لتحمل الفاجعة الأكبر، عندما قُصف منزل نجله الأكبر أسامة، ليستشهد مع زوجته وثلاثة من أطفاله.
وخلال الحرب الأخيرة، توسعت دائرة الفقد داخل العائلة، إذ روت زوجته أمل الحية أنها فقدت أربعة من أبنائها وتسعة من أفراد الأسرة، بينهم خمسة من أحفادها، فيما أصيب ابنها عز الدين إصابات بالغة، وفقد ساقه واثنين من أبنائه، وبقي عدد قليل فقط من أفراد العائلة على قيد الحياة.
وفي حديثها للإعلام، قالت زوجته إن أبناءهم عاشوا حياة الفلسطينيين نفسها داخل غزة، من النزوح والخوف والقصف، مؤكدة أنهم لم يغادروا معاناة الناس، وأن أبناء القادة "كانوا في مقدمة الصفوف".
رجل التفاوض
بعد السابع من أكتوبر 2023، برز الحية بوصفه كبير مفاوضي حركة حماس، وقاد الوفود التي شاركت في جولات التفاوض بالقاهرة والدوحة، وأصبح الواجهة السياسية للحركة في العديد من الملفات، خصوصًا بعد استشهاد عدد من كبار قادتها. كما تولى إدارة العلاقات مع عدد من الدول العربية والإسلامية، ولعب دورًا في ملفات التهدئة والعلاقات الخارجية.
إلى قمة هرم الحركة
بانتخابه رئيسًا للمكتب السياسي، يدخل خليل الحية مرحلة جديدة في مسيرته الممتدة لأكثر من أربعة عقود داخل الحركة.
فهو لا يتسلم موقعًا تنظيميًا فحسب، بل يقود الحركة في واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا، وسط استمرار الحرب على قطاع غزة، وتحديات إعادة ترتيب القيادة، وملفات التفاوض، والعلاقات الإقليمية، ومستقبل القضية الفلسطينية.
ورغم أن اسمه ارتبط طويلًا بالمفاوضات والسياسة، فإن قصته الشخصية تبقى أيضًا قصة رجل فقد أبناءه وأحفاده وأفرادًا من أسرته، بينما ظل حاضرًا في المشهد العام، ليصل اليوم إلى رئاسة المكتب السياسي لحركة حماس بعد رحلة امتزجت فيها السياسة بالفقد، والعمل التنظيمي بتجارب إنسانية تركت أثرها على مسيرته.