لم يمضِ وقت طويل على تجمع عشرات الفلسطينيين في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة لتشييع أحد الشهداء، حتى دوّى انفجار عنيف حوّل لحظات الوداع إلى مشهد جديد من الموت. غارة (إسرائيلية( استهدفت موكب التشييع مباشرة، لتتناثر الجثامين والأشلاء في المكان الذي كان يفترض أن يكون المحطة الأخيرة لوداع الضحية.
وأسفر القصف عن استشهاد سبعة فلسطينيين على الأقل وإصابة أكثر من 22 آخرين، بعضهم بجروح وُصفت بالحرجة، في مجزرة جديدة يقول فلسطينيون إنها تعكس واقعاً لم يتغير رغم مرور أشهر على توقيع اتفاق التهدئة.
فالمجزرة التي شهدها النصيرات ليست حادثة معزولة، بل تأتي ضمن سلسلة من الهجمات التي يقول مسؤولون ومؤسسات حقوقية إنها تجسد استمرار (إسرائيل) في التنصل من استحقاقات اتفاق التهدئة الموقع في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والذي كان يفترض أن يوقف العمليات العسكرية، ويضمن حماية المدنيين، ويفتح الباب أمام مرحلة من الاستقرار الإنساني وإعادة الإعمار.
**تنفيذ انتقائي
وروّج الوسطاء والضامنيين للاتفاق باعتباره مدخلاً لإنهاء الحرب المستمرة على قطاع غزة، عبر وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات (الإسرائيلية) تدريجياً من مناطق داخل القطاع، وإدخال المساعدات الإنسانية بكميات كافية، وتهيئة الظروف لإعادة الإعمار، وصولاً إلى ترتيبات سياسية وأمنية أوسع. غير أن الأشهر التالية حملت مساراً مختلفاً، لإفراغ الاحتلال الاتفاق من مضمونه عبر تنفيذ انتقائي لبنوده وتأجيل استحقاقاته الأساسية.
وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، ارتكبت إسرائيل 3689 خرقاً للاتفاق منذ دخوله حيز التنفيذ وحتى منتصف يوليو/تموز الجاري، شملت غارات جوية وقصفاً مدفعياً وإطلاق نار مباشر وعمليات توغل واعتقالات، في وقت استمرت فيه أعداد الضحايا بالارتفاع رغم سريان التهدئة.
ولم تقتصر الخروقات على الجانب العسكري، إذ بقي الملف الإنساني أحد أكثر البنود تعثراً. فعلى الرغم من تعهد الاتفاق بإدخال مئات شاحنات المساعدات يومياً، تؤكد منظمات أممية أن تدفق المساعدات ظل أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية، مع استمرار القيود على دخول الغذاء والدواء والوقود ومستلزمات إعادة الإعمار، الأمر الذي أبقى القطاع في حالة أزمة إنسانية متواصلة.
**توسيع للنفوذ
أما الانسحاب العسكري، الذي كان يفترض أن يمهد لعودة النازحين واستئناف الحياة المدنية، فلم يُستكمل وفق الجدول الزمني المعلن، إذ واصلت القوات (الإسرائيلية) تمركزها في مناطق داخل القطاع لا زادت تقدمها داخل القطاع ووسعت حدود المنطقة الصفراء.
وفي موازاة ذلك، تعثرت مفاوضات المرحلة الثانية، التي يفترض أن تبحث الترتيبات السياسية والأمنية طويلة الأمد، بعدما ربطت (إسرائيل) الانتقال إليها بملفات جديدة، أبرزها نزع سلاح حركة حماس، في حين تصر الحركة على أن أي حديث عن مراحل لاحقة يجب أن يسبقه تنفيذ كامل لبنود المرحلة الأولى، بما يشمل الانسحاب ووقف الخروقات ورفع القيود الإنسانية.
ومع مرور أكثر من تسعة أشهر على الاتفاق، لا تزال الوقائع الميدانية تعكس هشاشة التهدئة؛ إذ تتواصل الضربات (الإسرائيلية) في مناطق متفرقة من القطاع، ويسقط قتلى وجرحى بصورة شبه يومية، في وقت تتعثر فيه جهود الوسطاء لإعادة الأطراف إلى مسار تنفيذ الاتفاق.
ويرى مراقبون أن الأزمة لم تعد تقتصر على تسجيل خروقات ميدانية، بل باتت تتعلق بغياب آلية دولية ملزمة تضمن تنفيذ بنود الاتفاق ومحاسبة الطرف الذي يخل بها، وهو ما جعل التهدئة، بالنسبة لسكان غزة، مجرد وقفٍ جزئي للعمليات واسعة النطاق، لا نهاية فعلية للحرب أو لمعاناتهم اليومية.