حين فتحت حلا حسن لبد (٩ أعوام) عينيها في سرير المستشفى، لم تكن تعرف أن العالم الذي نامت فيه قد اختفى. كانت تتلفت حولها ببطء، ويداها الصغيرتان مغطاتان بضمادات الحروق، ثم سألت بصوت يكاد لا يُسمع: "وين ماما؟... بدي بابا."
لم يكن في الغرفة من يملك الشجاعة ليجيب!
في فجر أحد أيام يونيو/حزيران الماضي، استهدفت غارة (إسرائيلية) شقة العائلة في حي الكرامة شمال غربي مدينة غزة. خلال ثوانٍ، انهار المنزل فوق ساكنيه. استشهد والدها حسن لبد، ووالدتها منار، وإخوتها محمد ورهف وتميم، بينما انتُشلت حلا من بين الركام مصابة بحروق وجروح، لتصبح الناجية الوحيدة من أسرتها.
تقول حنين لبد عمة الطفلة "إن أفراد العائلة عاشوا سنوات طويلة يحاولون حماية أطفالهم من ويلات الحرب، لكن الحرب وصلت إليهم داخل منزلهم. ويضيف: "لم يبقَ أحد من بيت حلا. خرجت وحدها، بينما خرج الباقون شهداء."
ويؤكد أفراد من العائلة أن الطفلة لا تعرف حتى الآن الحقيقة كاملة. فهي ما زالت تسأل عن أمها كلما استيقظت، وتنتظر أن يدخل والدها من باب الغرفة ليطمئن عليها، فيما يحاول أقاربها تأجيل اللحظة الأصعب؛ لحظة إخبارها بأنها أصبحت وحيدة.
ويصف أحد أقاربها تلك المهمة بأنها "أقسى من الدفن نفسه"، متسائلًا: "كيف يمكن لطفلة في التاسعة أن تستوعب أن بيتها اختفى، وأن أمها وأباها وإخوتها لن يعودوا أبدًا؟"
وتقول العائلة إن أكثر ما يؤلمهم ليس فقط فقدان أفرادها، بل مستقبل حلا المجهول. فالطفلة التي كانت تعيش وسط أسرة صغيرة متماسكة، أصبحت في لحظة واحدة بلا والدين، وبلا إخوة، وبلا منزل تعود إليه بعد خروجها من المستشفى.
وتشير العائلة إلى أن اثنين من أشقاء حلا كانا من ذوي الإعاقة، وكان والدها ووالدتها يكرسان حياتهما لرعايتهما، قبل أن تنتهي حياة الأسرة بأكملها تحت أنقاض منزلها.
في المستشفى، تحاول حلا مقاومة الألم، لكن آثار الحروق ليست الجرح الوحيد الذي تحمله. فهناك جرح آخر لن يلتئم بسهولة؛ ذاكرة ستكبر معها، وستكتشف يومًا أن الأشخاص الذين كانت تناديهم بعد استيقاظها لم يكونوا في غرفة مجاورة، بل كانوا قد رحلوا جميعًا.
في غزة، لا تنتهي المأساة بخروج الطفل حيًا من تحت الأنقاض. أحيانًا تبدأ عندها فقط. تبدأ عندما يفتح عينيه فلا يجد وجه أمه، ولا يسمع صوت أبيه، ولا يدرك أن الحرب لم تكتفِ بسرقة منزله، بل سرقت العائلة كلها، وتركت له حياة جديدة، عنوانها: النجاة... وحيدًا!