في الليلة الماضية، نام الطفل سامي أبو سالم، ذو الأعوام الثلاثة، في حضن والدته كما يفعل كل طفل يبحث عن الأمان. لم يكن يعلم أن تلك ستكون الليلة الأخيرة التي ينام فيها بين ذراعيها، وأنه سيستيقظ بعد ساعات على عالمٍ لم يعد فيه أب ولا أم ولا أخت.
مع ساعات الفجر، قصفت طائرات الاحتلال منزل العائلة في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة. في لحظات، انهارت الجدران والأسقف، وتحول المنزل إلى كومة من الركام. وبينما استشهد والده ووالدته وشقيقته خرج سامي مصابًا بحروق بعدما انتشلته طواقم الإنقاذ، ليجد نفسه الناجي الوحيد من أسرته.
لم يعد الطفل الذي كان يختبئ كل ليلة في حضن أمه يجد من يحتضنه. فالعائلة التي كانت تملأ المنزل اختفت في دقائق، تاركة خلفها طفلًا لا يدرك بعد معنى أن يصبح يتيمًا دفعة واحدة.
لا يعرف سامي لماذا لم يستيقظ والده هذه المرة، ولا لماذا لم تجبه أمه حين ناداها، ولا أين ذهبت شقيقته التي كانت تشاركه اللعب. كل ما بقي في ذاكرته أصوات الانفجار، ولهيب النار، وأيدٍ غريبة تسحبه من بين الحجارة.
وتتكرر هذه المأساة يوميًا في قطاع غزة، حيث تؤدي الغارات الإسرائيلية إلى محو عائلات كاملة من السجل المدني، وتترك أطفالًا ناجين يحملون ندوبًا جسدية ونفسية قد ترافقهم طوال حياتهم.
بالنسبة لسامي، لم تكن الليلة الماضية مجرد ليلة قصف، بل كانت اللحظة التي انتهت فيها طفولته قبل أن يتم عامه الرابع، وبدأت رحلة اليتم من تحت ركام المنزل الذي كان، حتى ساعات قليلة قبل القصف، يعني له العالم كله.
لم يكن سامي أول طفل يستيقظ على اليتم في غزة، ولن يكون الأخير ما دام القصف مستمرًا. فمنذ بدء الحرب، خلّفت الهجمات الإسرائيلية عشرات آلاف الأطفال الذين فقدوا أحد والديهم أو كليهما، فيما تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 17 ألف طفل فقدوا والديهم أو أحدهما في واحدة من أكبر أزمات اليتم التي يشهدها العالم اليوم.
وتأتي مأساة سامي في وقت تتواصل فيه الهجمات رغم اتفاقات وقف إطلاق النار، إذ وثّقت تقارير أممية وبيانات رسمية استشهاد أكثر من ألف فلسطيني منذ دخول الهدنة حيز التنفيذ، في خروقات متكررة حوّلت الهدنة بالنسبة لأطفال غزة إلى وعد لم يتحقق.
وبين طفل يخرج وحيدًا من تحت الأنقاض، وآلاف الأطفال الذين فقدوا أسرهم، تتسع قائمة الأيتام يومًا بعد يوم، بينما يبقى السؤال معلقًا: كم طفلًا آخر يجب أن يفقد عائلته قبل أن يصبح وقف إطلاق النار حماية حقيقية للمدنيين؟